كان صباح الجمعة في بيت جدتي يبدأ قبل أن تشرق الشمس. أسمع صوت الحطب وهو يُكسر في الحوش، ثم رائحة الدخان الأولى، ثم خشخشة الأرز في الصينية وهي تنقّيه حبة حبة. لم يكن أحد يسأل: ماذا سنأكل اليوم؟ فـطبخة يوم الجمعة كانت معروفة، وثابتة، ومنتظرة طوال الأسبوع.
وما زلت حتى اليوم أحاول أن أفهم: لماذا كان لتلك الطبخة طعم لا يتكرر؟ هنا أجمع سواليف جدتي، وما فهمته بعد أن كبرت.
"الجمعة غير": كيف كانت جدتي تستعد من الخميس؟
لم تكن طبخة يوم الجمعة تبدأ يوم الجمعة، بل مساء الخميس. كانت جدتي تجلس بعد صلاة المغرب على حصير في الحوش، وأمامها صينية واسعة من الأرز، تنقيه من الحصى والقشور، ثم تغسله وتتركه في الماء. وبجانبها كيس صغير من البهارات الكاملة التي تحمصها وتطحنها بنفسها.
سألتها مرة: لماذا لا تشترين البهارات مطحونة من السوق؟ فقالت: "البهار المطحون من أسبوع ريحته راحت، والجمعة تبي ريحة". أي إنّ البهار الذي طُحن منذ أيام فقد رائحته، والجمعة تستحق الرائحة الكاملة.
قائمة استعدادات ليلة الخميس في بيت جدتي
تنقية الأرز وغسله ثلاث مرات حتى يصفو الماء، ثم نقعه حتى الصباح.
تحميص البهارات الكاملة: الكمون والكزبرة والفلفل الأسود والقرنفل والهيل والقرفة، ثم طحنها في الهاون.
تجهيز الحطب اليابس في زاوية الحوش، ويُفضّل حطب السمر أو الغضا لأنّ جمره يدوم طويلاً.
تنظيف القدر النحاسي الكبير وتلميعه بالرمل والليمون.
الاتفاق مع الجزار على الذبيحة، أو تجهيز الدجاج البلدي من حوش البيت.
عجن خبز الصاج أو التنور، إن كانت الطبخة تحتاج إلى خبز، وتركه يتخمر حتى الصباح.
لماذا كان لطبخة يوم الجمعة طعم مختلف؟ الأسباب التي فهمتها متأخراً
ظننت طويلاً أنّ الطعم المختلف مجرد حنين، وأنّ الذاكرة تجمّل ما مضى. غير أنني حين كبرت ودرست شيئاً عن الطبخ، عرفت أنّ للأمر أسباباً حقيقية، بعضها علمي وبعضها إنساني:
أولاً: الحطب والجمر
النار المكشوفة تحيط القدر بالحرارة من الأسفل والجوانب معاً، والجمر يعطي حرارة ثابتة متدرجة لا تشبه لهب الغاز. فضلاً عن ذلك، يتسلل شيء من رائحة الدخان إلى الطعام، خاصة حين يُرفع الغطاء للتحريك. والدخان يحمل مركبات عطرية تمنح اللحم والأرز نكهة عميقة لا يمكن تقليدها في المطبخ الحديث بسهولة.
ثانياً: القدر الكبير
القدر الذي يُطبخ فيه لعشرين شخصاً يختلف عن قدر يكفي أربعة. فالكمية الكبيرة من اللحم تعطي مرقاً مركزاً غنياً بالجيلاتين والنكهة، والأرز المطبوخ فيه يتشرب هذا المرق فيأخذ طعماً لا يمكن الحصول عليه في كمية صغيرة. ولهذا تجد أنّ طعام الولائم الكبيرة ألذ من الطبخ اليومي، وليس الأمر وهماً.
ثالثاً: اللحم الطازج
كانت الذبيحة تُذبح صباح الجمعة وتُطبخ في اليوم نفسه، ولحم ذبيحة الضأن البلدية التي رعت في البر يختلف طعمه عن لحم مستورد مبرد منذ أسابيع. والمطبخ القديم كان يعرف قيمة هذا الطزاجة دون أن يسميها.
رابعاً: الوقت والجوع
كان الغداء يأتي بعد صلاة الجمعة، أي بعد صباح طويل من اللعب والانتظار، والجوع كما يقول المثل "أحسن طباخ". أضف إلى ذلك رائحة الطبخ التي تملأ البيت منذ الصباح، فتفتح الشهية ساعات قبل الأكل.
خامساً: اللمة
وهذا السبب الذي لا يقاس بمختبر. أن تأكل مع عشرين شخصاً من صحن واحد، وأن يضع جدك قطعة اللحم أمامك بيده، وأن تسمع ضحك أعمامك وسواليف جدتك، كل ذلك يجعل اللقمة أطيب. وقد أثبتت دراسات كثيرة أنّ الأكل الجماعي يؤثر في إحساسنا بالطعم والشبع، لكنّ جدتي كانت تعرف ذلك قبل الدراسات كلها.
"الأكل ما يحلى إلا بالجماعة، والجمعة يوم الجماعة"
أي: الطعام لا يطيب إلا حين يُؤكل مع الأهل، والجمعة هي يوم اجتماعهم.
كبسة الجمعة على طريقة جدتي: الوصفة كما رأيتها
كانت طبخة يوم الجمعة في بيتنا كبسة لحم في أغلب الأسابيع، وأحياناً مرقوق أو جريش أو مندي حسب الموسم. وهذه وصفة كبسة الجمعة كما حولتها إلى مقادير لقدر يكفي عشرة أشخاص:
كيلوغرامان من لحم الضأن بالعظم، مقطع قطعاً كبيرة.
خمسة أكواب من الأرز البسمتي طويل الحبة، منقوع ساعة على الأقل.
ثلاث بصلات كبيرة مفرومة.
أربع حبات طماطم مبشورة، وملعقتان كبيرتان من معجون الطماطم.
ست فصوص من الثوم المهروس، وحبتان من الفلفل الأخضر.
ملعقتان كبيرتان من بهارات الكبسة المحمصة والمطحونة في البيت.
ثلاث حبات لومي، وعودان من القرفة، وخمس حبات هيل، وأربع حبات قرنفل، وورقتا غار.
ربع كوب من السمن البلدي، وملح بحسب الذوق.
للتزيين: حفنة من الزبيب واللوز المحمص، وبصلة مشرحة محمرة.
خطوات الطبخ
ذوّب السمن في القدر الكبير، وحمّر البصل حتى يصير ذهبياً غامقاً، فهنا يبدأ لون الكبسة.
أضف اللحم وحمّره من كل الجهات على نار عالية، ثم الثوم والفلفل.
أضف البهارات الكاملة والمطحونة، وقلّب دقيقتين حتى تفوح الرائحة.
أضف الطماطم والمعجون، واطبخ خمس دقائق حتى يتكثف الخليط.
أضف الماء المغلي حتى يغطي اللحم بمقدار كفّ، واترك القدر يطبخ ساعتين على نار هادئة حتى ينضج اللحم.
أخرج اللحم، وقس المرق: لكل كوب أرز كوب ونصف من المرق.
أضف الأرز المصفّى إلى المرق المغلي، واتركه على نار عالية حتى يتشرب معظم الماء وتظهر "العيون" على سطحه.
خفف النار إلى أدناها، وضع اللحم فوق الأرز، وغطّ القدر بقطعة قماش ثم الغطاء، واتركه يتكتم نصف ساعة.
قبل التقديم، ضع جمرة صغيرة في وعاء معدني فوق الأرز، وصب عليها قطرة سمن، وأغلق القدر خمس دقائق للتدخين.
علامات حسية كانت جدتي تطبخ بها بدل الساعة
البصل جاهز حين تسمع صوت "الطشة" يخفت، ويتحول لونه إلى لون القهوة بالحليب.
اللحم ينضج حين ينكمش عن العظم ويظهر طرف العظم الأبيض.
الأرز يُكتم حين تظهر ثقوب صغيرة على سطحه يخرج منها البخار، وهي ما تسميه الجدات "العيون".
الكبسة جاهزة حين ترتفع رائحة البهار الحلوة من تحت الغطاء، وتسمع طقطقة خفيفة في القاع.
والحكّاكة، أي طبقة الأرز المحمصة في القاع، كانت جائزة من يساعد في غسل القدر.
ما لا يعرفه أحفاد اليوم عن سفرة الجمعة
كانت للسفرة آداب صارمة لا يجرؤ أحد على كسرها. يُفرش السماط على الأرض في المجلس، ويوضع الصحن الكبير في الوسط، ويجلس الكبار أولاً، ثم الرجال، ثم الشباب، وكانت النساء يأكلن غالباً في مجلس آخر مع الأطفال الصغار. ولا يبدأ أحد الأكل قبل أن يقول جدي "بسم الله" ويمد يده.
وأذكر أنّ جدي كان يقسم اللحم بيده، ويضع أفضل القطع أمام الضيف إن وُجد، ثم أمام الأكبر سناً، ثم يوزع الباقي. وكان من العيب أن تمد يدك إلى قطعة أمام غيرك، أو أن تقوم من السفرة قبل أن يشبع الجميع.
أما البقايا فلم تكن تُرمى أبداً؛ فجزء يُرسل للجيران، وجزء للعامل الذي يأتي لسقي النخل، وجزء يعاد تسخينه للعشاء. هل تعلم أنّ جدتي كانت تسمي الصحن الذي يُرسل للجيران "حق الجار"، وكأنه دَين لا بد من أدائه؟
غداء الجمعة من نجد إلى الحجاز واليمن: لكل بيت طبخته
حين تزوجت عمتي وانتقلت إلى جدة، عادت في أول زيارة تحكي لجدتي بدهشة أنّ أهل زوجها يطبخون يوم الجمعة شيئاً آخر غير الكبسة. ضحكت جدتي وقالت: "كل ديرة وجمعتها". أي إنّ لكل بلد طبخة جمعته الخاصة. ومن سواليف العائلة وزيارات الأقارب عرفت أنّ غداء الجمعة يتلون بتلون المناطق:
في نجد وحائل: الكبسة باللحم، أو الجريش والقرصان والمرقوق في الشتاء.
في الحجاز: السليق بالدجاج والحليب، أو الرز البخاري، مع الدقة والسلطات.
في الجنوب: المندي والحنيذ المطبوخ في حفر الأرض أو التنور، مع خبز الملة.
في الخليج: المجبوس بالسمك أو اللحم، مع الدقوس الحار.
وفي بيوت اليمن: الفحسة والسلتة في الغداء، وبنت الصحن بعدها مع العسل البلدي.
غير أنّ القاسم المشترك بين هذه البيوت كلها واحد: قدر أكبر من المعتاد، وسفرة يجتمع حولها من تفرّق طوال الأسبوع، وجدة تحرس المطبخ منذ الصباح.
ماذا كانت جدتي تطبخ حين لا تتوفر الذبيحة؟
لم تكن كل جمعة جمعة ذبيحة؛ ففي سنوات الشح كانت جدتي تطبخ كبسة الجمعة بالدجاج البلدي، أو بالقليل من اللحم المقدد المحفوظ بالملح، أو تكتفي بالجريش والمرقوق بالخضار. وكانت تقول: "الجمعة ما تقوم على اللحم، تقوم على اللي يجلسون". وكان الطعم رغم ذلك مختلفاً، لأنّ الطقس نفسه لم يتغير: الاستعداد من الخميس، والحطب، والانتظار، واللمة.
أخطاء نقع فيها حين نحاول استعادة طبخة الجمعة
الطبخ لعدد قليل: الكميات الصغيرة لا تعطي المرق نفسه، فإن استطعت اطبخ لعشرة وقسّم الباقي على الأقارب.
البهارات الجاهزة القديمة: حمّص بهاراتك وأطحنها بنفسك، فالفرق في الرائحة كبير.
الاستعجال في تحمير البصل: البصل الأشقر يعطي كبسة شاحبة بلا عمق.
التحريك بعد إضافة الأرز: يكسر الحبات ويحولها إلى عجين، فالأرز يُترك ولا يُقلّب.
الأكل على عجل أمام الشاشات: وهنا تضيع نصف النكهة التي كانت تصنعها اللمة.
كيف تعيد طبخة يوم الجمعة إلى بيتك اليوم؟
لا أحد اليوم يملك حوشاً فيه حطب، ولا ذبيحة كل أسبوع، وهذا طبيعي. لكن روح طبخة يوم الجمعة ممكنة الاستعادة بخطوات بسيطة:
اجعل للجمعة طبقاً ثابتاً ينتظره أهل البيت، ولا تغيره كل أسبوع.
ابدأ التحضير من الخميس: انقع الأرز، واطحن البهارات، وتبّل اللحم ليلة كاملة.
استخدم قدراً ثقيلاً من الحديد الزهر أو الألمنيوم السميك ليقترب توزيع الحرارة من قدر الجمر.
استعمل طريقة التدخين بالفحم في آخر الطبخ لتستعيد نكهة الحطب.
ادعُ ولو عائلة واحدة من الأقارب أو الجيران، واجلسوا على الأرض حول صحن واحد إن أمكن.
أطفئ الشاشات وقت الغداء، ودع الأطفال يسمعون سواليف الكبار.
تنبيه صحي عن بقايا الوليمة
في زمن جدتي كان الطعام يُؤكل خلال ساعات، ولم تكن الثلاجات منتشرة. أما اليوم فينبغي تبريد بقايا الأرز واللحم خلال ساعتين من الطبخ، وحفظها في علب محكمة في الثلاجة لمدة لا تزيد على يومين أو ثلاثة. والأرز خاصة قد تنمو فيه بكتيريا إذا بقي طويلاً في حرارة الغرفة، لذلك لا تتركه على السفرة حتى المساء كما كان يحدث أحياناً.
أسئلة شائعة عن طبخة يوم الجمعة
ما أشهر طبخات يوم الجمعة في السعودية والخليج؟
الكبسة باللحم أو الدجاج هي الأكثر انتشاراً، يليها المندي والمضغوط، والجريش والمرقوق في نجد، والمجبوس في الخليج، والسليق في الحجاز.
لماذا يكون طعم الكبسة في الولائم ألذ من البيت؟
بسبب الكمية الكبيرة التي تعطي مرقاً أغنى، والطبخ على نار الحطب أو القدور الكبيرة، واستخدام لحم طازج بعظمه.
كيف أحصل على نكهة الحطب في مطبخ الشقة؟
بطريقة التدخين: جمرة فحم في وعاء معدني صغير فوق الطعام، تُسكب عليها قطرة سمن، ويُغلق القدر خمس دقائق، مع تهوية المطبخ جيداً.
هل يمكن تحضير طبخة الجمعة في طنجرة الضغط؟
نعم، لطبخ اللحم في 40 دقيقة بدل ساعتين، ثم يُطبخ الأرز في قدر مكشوف بالمرق نفسه حتى يحتفظ بقوامه.
طعم لا يسكن القدر وحده
بعد سنوات طويلة، فهمت أنّ سر طبخة يوم الجمعة لم يكن في البهار وحده، ولا في الحطب وحده، بل في كل ذلك مجتمعاً: يد جدتي التي لا تستعجل، وصوت جدي وهو يقول "بسم الله"، وضحكات أبناء العم حول الصحن، وصحن الجيران الذي يعود ممتلئاً. إن أردت أن تستعيد ذلك الطعم، فلا تبحث عنه في الوصفة فقط؛ ابحث عنه في من يجلس معك على السفرة. فما رأيك أن تبدأ هذه الجمعة؟
"الطبخة تنسى، بس اللمة ما تنسى"
أي: قد ننسى طعم الطبخة يوماً، لكننا لا ننسى من اجتمعنا معهم حولها.

0 تعليقات