في بيت جدتي بطرابلس كان يوم الجمعة يبدأ بصوت الكسكاس فوق البرمة، وبخار المرقة الحمراء يتصاعد حتى يلامس سقف المطبخ. وفي الأيام العادية كانت المثرودة الليبية حاضرة: خبز مفتت يشرب مرقة اللحم الحارة حتى يلين ويصير لقمة واحدة دافئة.
بين هذين الطبقين تربيت، وتعلمت أنّ المطبخ الليبي لا يعرف الإسراف ولا يعرف العجلة. في هذا المقال أنقل لك طريقة المثرودة الليبية والكسكسي الليبي بالبصلة كما كانت تصنعهما جدتي، بمقاديرهما وأسرارهما الصغيرة.
المثرودة الليبية: طبق خرج من رحم الخبز البائت
كلمة "مثرودة" مشتقة من الثريد، أي الخبز المفتت في المرق، وهو من أقدم أطباق العرب. غير أنّ الليبيين أعطوه شخصيتهم الخاصة؛ فالمرقة حمراء نارية بالطماطم والهريسة والبزار، والخبز غالباً خبز رقيق مطبوخ على الطاجين أو خبز التنور، يُقطع قطعاً صغيرة بحجم طابع البريد، ثم تُسقى به المرقة على دفعات.
كانت جدتي تقول: "الخبزة ما تنرمى، الخبزة نعمة". ولذلك كان كل رغيف يبقى من الأمس يُجمع في كيس قماش معلق خلف الباب، حتى يأتي يوم المثرودة فيعود إلى الحياة في صحن كبير يلتف حوله الجميع.
مقادير المثرودة الليبية لستة أشخاص
نصف كيلوغرام من لحم الضأن بالعظم، مقطع قطعاً متوسطة.
بصلتان متوسطتان مفرومتان فرماً ناعماً.
ثلاث ملاعق كبيرة من معجون الطماطم.
ملعقة صغيرة من الهريسة الليبية أو الفلفل الأحمر المجفف المطحون، بحسب تحملك للحرارة.
ملعقة صغيرة من البزار الليبي، وملعقة صغيرة من الكركم.
ملعقة صغيرة من الفلفل الأسود، وملح بحسب الذوق.
كوب من الحمص المنقوع ليلة كاملة.
ربع كوب من زيت الزيتون.
ستة إلى ثمانية أرغفة من الخبز الرقيق أو خبز التنور، ويُفضّل أن يكون بائتاً يوماً واحداً.
لتران تقريباً من الماء الساخن.
طريقة عمل المثرودة خطوة بخطوة
سخّن زيت الزيتون في قدر عميق، وأضف البصل وقلّبه حتى يذبل ويصير شفافاً دون أن يحترق.
أضف اللحم وقلّبه على نار عالية حتى يتغير لونه من جميع الجهات، فهذه الخطوة تحبس العصارة وتعطي المرقة عمقاً.
أضف البزار والكركم والفلفل الأسود والملح، وقلّب دقيقة حتى تفوح رائحة البهارات.
أضف معجون الطماطم والهريسة، وقلّب مع اللحم دقيقتين أو ثلاثاً حتى يتغير لون المعجون إلى الأحمر الداكن. وهذه خطوة لا تتنازل عنها جدات ليبيا.
أضف الحمص والماء الساخن، واترك القدر يغلي، ثم خفف النار وغطه، ودعه يطبخ ساعة ونصفاً حتى ينضج اللحم.
في هذه الأثناء، قطّع الخبز بيدك قطعاً صغيرة، وضعها في صحن واسع عميق.
عندما ينضج اللحم، اسكب المرقة على الخبز بالمغرفة على دفعات، وقلّب بيدك أو بملعقة حتى يتشرب الخبز المرقة كلها ويصير طرياً دون أن يتحول إلى عجينة.
رتّب اللحم والحمص فوق الوجه، واسقِ الأطراف بمغرفة مرق أخيرة قبل التقديم مباشرة.
"المثرودة تبي مرقة تغرق، مش مرقة تبل"
أي: المثرودة تحتاج إلى مرقة تغمر الخبز، لا إلى مرقة تبلله فقط.
سر اللون الأحمر: لماذا تقلي الجدات معجون الطماطم؟
هذا سؤال سألته لجدتي وأنا صغير، فقالت: "باش يروح طعم العلبة". والحقيقة أنّ لكلامها أساساً علمياً؛ فقلي معجون الطماطم في الزيت يكرمل السكريات الطبيعية فيه، ويزيل الطعم المعدني والحموضة الحادة، فضلاً عن أنّ صبغة الليكوبين الحمراء تذوب في الدهون فتنتشر في المرقة كلها وتمنحها ذلك اللون القاني المميز للمطبخ الليبي.
ومن ثَمّ فإنّ من يضيف معجون الطماطم مباشرة إلى الماء يحصل على مرقة برتقالية باهتة، حامضة الطعم، لا تشبه ما تعرفه البيوت الليبية.
كيف تعرف أنّ مرقة المثرودة الليبية جاهزة دون النظر إلى الساعة؟
لم تكن جدتي تملك ساعة في المطبخ، بل كانت تقرأ القدر بعينيها وأنفها. وهذه العلامات التي تعلمتها منها لمرقة المثرودة الليبية:
تطفو على وجه المرقة طبقة رقيقة من الزيت الأحمر اللامع، وهي علامة أنّ الطماطم نضجت وانفصل الزيت عنها.
ينفصل اللحم عن العظم إذا ضغطته بظهر الملعقة على جدار القدر.
تنضغط حبة الحمص بين الإصبعين بسهولة دون أن تتفتت إلى عجينة.
تصير رائحة البزار دافئة مستديرة، لا حادة كرائحة البهار النيء.
وإذا وجدت المرقة كثيفة أكثر من اللازم قبل سقي الخبز، فأضف كوباً من الماء المغلي واتركها تغلي خمس دقائق، لأنّ الخبز الجاف يشرب أكثر مما تتوقع.
البزار الليبي: الخلطة التي تصنع هوية الطبق
لا يكتمل الحديث عن المثرودة الليبية ولا عن الكسكسي الليبي دون ذكر البزار؛ تلك الخلطة التي تخلطها كل جدة بطريقتها وتحتفظ بها في علبة معدنية قرب الموقد. وتختلف المقادير من بيت لآخر، لكن الأساس المتعارف عليه يضم:
الكمون والكزبرة الجافة بكميات متساوية تقريباً، وهما عماد الخلطة.
الفلفل الأسود والقرفة بكميات أقل.
الكركم لإعطاء لون دافئ.
الزنجبيل المجفف وجوزة الطيب بكميات صغيرة جداً.
وفي بعض البيوت تُضاف براعم الورد المجففة أو القرنفل، وهو ما يعطي البزار رائحة زهرية خفيفة.
نصيحتي أن تحمص البهارات الكاملة على نار هادئة دقيقتين قبل طحنها، فالتحميص يطلق الزيوت العطرية ويضاعف الرائحة. واحفظ الخلطة في برطمان زجاجي مغلق بعيداً عن الضوء، واستهلكها خلال ثلاثة أشهر.
الكسكسي الليبي بالبصلة: ما يميزه عن الكسكسي المغاربي
كثيرون يظنون أنّ الكسكسي طبق واحد من المحيط إلى طرابلس، غير أنّ لكل بلد بصمته. الكسكسي الليبي يتميز بمرقة حمراء كثيفة بالطماطم والبزار، وبحضور "البصلة" فوقه؛ وهي بصل مطبوخ ببطء مع الحمص والزبيب حتى يصير حلواً ذهبياً. أما في المغرب فالمرقة غالباً أفتح لوناً، وفي تونس أشد حرارة بالهريسة.
مقادير الكسكسي الليبي لثمانية أشخاص
كيلوغرام واحد من الكسكسي المتوسط الحبة.
كيلوغرام من لحم الضأن بالعظم.
أربع بصلات: واحدة للمرقة وثلاث للبصلة.
أربع ملاعق كبيرة من معجون الطماطم.
ملعقتان صغيرتان من البزار، وملعقة صغيرة من الكركم، وملعقة صغيرة من الهريسة.
كوب ونصف من الحمص المنقوع.
ثلاث حبات بطاطا، وقطعة من القرع (الكابوية)، وجزرتان، مقطعة قطعاً كبيرة.
نصف كوب من الزبيب.
نصف كوب من زيت الزيتون، وملعقتان كبيرتان من السمن أو الزبدة.
ملح وفلفل أسود وقرفة.
تفويح الكسكسي: الخطوة التي يستعجلها الجميع
أذكر أنني كنت أجلس بجانب جدتي وهي تفرك حبات الكسكسي بين كفيها فوق القصعة الخشبية، وكأنها تعدّ حبات مسبحة. كانت تقول: "الكسكسي ما يطيبش في البرمة، يطيب في يديك". أي إنّ نجاح الكسكسي يكون بالفرك والتفويح لا بالطبخ وحده.
ضع الكسكسي في قصعة واسعة، ورشّه بكوب من الماء الفاتر المملح قليلاً، وافركه بين كفيك حتى يتشرب الماء بالتساوي.
أضف ملعقتين من الزيت، وافرك مجدداً لتنفصل الحبات، واتركه يرتاح عشر دقائق.
ضعه في الكسكاس فوق البرمة التي تغلي فيها المرقة، ولا تغطه. واحرص على أن يكون الوصل بين القدرين محكماً، وإن تسرب البخار فلف الوصلة بقطعة قماش مبللة أو بشريط من العجين كما كانت تفعل الجدات.
عندما يخرج البخار من سطح الكسكسي كله، اتركه ربع ساعة، ثم أفرغه في القصعة.
رشّه بنصف كوب من الماء، وافركه مرة أخرى لتفكيك الكتل، ثم أعده إلى الكسكاس للتفويحة الثانية.
في التفويحة الثالثة والأخيرة أضف السمن أو الزبدة، وافركه وهو ساخن حتى تلمع الحبات.
تحضير المرقة الحمراء والبصلة
تُحضّر المرقة كما في المثرودة تماماً: بصل ولحم يُقلّب، ثم البهارات، ثم معجون الطماطم يُقلى، ثم الماء والحمص. وبعد ساعة تُضاف الخضار الأصلب كالجزر، ثم البطاطا والقرع في آخر نصف ساعة، حتى لا تتفتت.
أما البصلة فهي أجمل ما في الطبق عندي: تُشرّح البصلات الثلاث شرائح رقيقة، وتُطبخ في ملعقتين من الزيت على نار هادئة جداً مع رشة ملح وقرفة، ومغرفة من المرقة، مدة 40 دقيقة تقريباً، حتى تصير ذهبية طرية كالمربى. ثم يُضاف الزبيب المنقوع وقليل من الحمص المطبوخ.
أخطاء تحول الكسكسي إلى كتلة عجين
إغراق الكسكسي بالماء دفعة واحدة: تلتصق الحبات وتتكتل ولا يمكن فكها، فالماء يُضاف رشاً على مراحل.
تغطية الكسكاس: يتكاثف البخار على الغطاء ويقطر فوق الحب فيعجنه.
الاكتفاء بتفويحة واحدة: ينضج الخارج ويبقى القلب قاسياً.
إغراق الصحن بالمرقة عند التقديم: الكسكسي يُسقى بالمرقة بمقدار، ويُقدم باقيها في وعاء جانبي.
البصلة على نار عالية: يحترق البصل قبل أن يحلو، فيعطي مرارة بدل الحلاوة.
الكسكسي سريع التحضير: ما الذي تخسره؟
في المحلات اليوم كسكسي "سريع التحضير" يُصب عليه الماء المغلي ويُغطى خمس دقائق. وهو حل مقبول في الأيام المزدحمة، لكنه يفقد القوام الخفيف المنفوش، وتبقى حباته أثقل وأقرب إلى اللزوجة. وإن اضطررت لاستخدامه، فاسقه بالمرقة الساخنة بدل الماء، وافركه بالسمن بشوكة، وضعه دقائق فوق بخار المرقة في مصفاة معدنية. بذلك تستعيد جزءاً معقولاً من روح الطبق.
أما طنجرة الضغط فتختصر طبخ اللحم والحمص إلى 35 دقيقة، ولا بأس بها للمرقة. غير أنّ الخضار يجب أن تُضاف بعد فتح الطنجرة وتُطبخ في قدر مكشوف، وإلا تحولت إلى هريس.
من طرابلس إلى بنغازي والجنوب: اختلافات البيوت الليبية
ليبيا بلد واسع، وأطباقه تتلون بتلون جغرافيته. وقد لاحظت هذه الفروقات من زياراتنا لأقاربنا في المدن المختلفة:
في طرابلس والغرب يحضر الكسكسي بالبصلة كثيراً، وتكون المرقة حمراء كثيفة.
في الشرق يميل بعض البيوت إلى إضافة الخضار بكميات أكبر، وتختلف طريقة تقديم اللحم.
في الجنوب وفزان قد يُستخدم لحم الإبل أحياناً، وتقترب بعض الأطباق من مطبخ الصحراء الكبرى.
وفي البيوت كلها تقريباً يُقدّم مع الكسكسي اللبن (الرائب) أو السلطة الخضراء لتخفيف الحرارة والدسامة.
على سفرة الجمعة: قصة القصعة الواحدة
وإن كان الكسكسي طبق الجمعة، فإنّ المثرودة الليبية كانت طبق منتصف الأسبوع حين يقل الخبز الطازج وتكثر الأرغفة البائتة. لم يكن في بيت جدتي صحون فردية للكسكسي. كانت هناك قصعة خشبية كبيرة واحدة، يجلس حولها الجميع على الأرض، وكل واحد يأكل من الجهة المقابلة له فقط، لا يمد يده إلى جهة غيره. وكان جدي يقسم اللحم بيده ويضع أمام كل واحد نصيبه، ويبدأ بالأصغر سناً.
تلك التفاصيل الصغيرة علمتنا أدب الطعام قبل أن نتعلم الكتابة. وكانت جدتي، بعد أن ينتهي الجميع، تجمع ما بقي في القصعة وتسقيه بمرقة ساخنة، فيتحول ما بقي من الكسكسي إلى عشاء خفيف. وهكذا كان الطبق الواحد يُطعم البيت يوماً كاملاً دون أن يُرمى منه شيء.
"اللي يأكل وحده يشبع بطنه، واللي يأكل مع الجماعة يشبع قلبه"
أي: من يأكل وحيداً يملأ معدته، ومن يأكل مع أهله يملأ قلبه.
الحفظ والتسخين دون أن يضيع الطعم
احفظ الكسكسي المفوّح منفصلاً عن المرقة في علبة محكمة في الثلاجة حتى ثلاثة أيام، وسخّنه على البخار لا في الميكروويف، أو في الميكروويف مع رش ملعقة ماء وتغطيته.
المرقة باللحم تُبرد بسرعة، وتُحفظ في الثلاجة ثلاثة أيام أو تُجمد حتى شهرين. ولا تتركها خارج الثلاجة أكثر من ساعتين بعد الطبخ.
المثرودة لا تُحفظ طويلاً لأنّ الخبز يتحول إلى عجين، فالأفضل حفظ المرقة وحدها وسقي خبز جديد عند الحاجة.
يمكن تجفيف الكسكسي المفوّح غير المسقي ونشره على قماش نظيف يوماً كاملاً ثم حفظه في كيس قماش، كما كانت الجدات يفعلن لتوفير الوقت.
أسئلة شائعة عن المثرودة الليبية والكسكسي
ما الفرق بين المثرودة والفتة؟
الفكرة واحدة: خبز يُسقى بالمرق. لكن المثرودة الليبية تتميز بمرقتها الحمراء الحارة بالبزار والهريسة، بينما الفتة الشامية والمصرية تعتمد غالباً على الخل والثوم أو اللبن.
هل يمكن عمل المثرودة بالدجاج؟
نعم، والدجاج البلدي بالعظم يعطي نتيجة رائعة، مع تقليل وقت الطبخ إلى 45 دقيقة تقريباً.
كم مرة يُفوّح الكسكسي؟
ثلاث مرات هي القاعدة عند الجدات، ومرتان تكفيان إذا كانت الحبة ناعمة.
هل يمكن طهي الكسكسي دون كسكاس؟
نعم، باستخدام مصفاة معدنية بثقوب صغيرة توضع فوق قدر المرقة، مع لف قطعة قماش مبللة حول الوصلة.
لماذا تبقى المثرودة الليبية طبق القلب؟
ربما لأنها طبق لا يُطبخ للضيوف ولا للتباهي، بل للبيت وحده. المثرودة الليبية تذكّرنا بأنّ الخبز البائت نعمة، وبأنّ البساطة يمكن أن تكون شهية حد الدهشة. أما الكسكسي الليبي بالبصلة فهو احتفال الجمعة الذي لا يكتمل إلا بالجمع. جرّب الطبقين هذا الأسبوع، وافرك الكسكسي بيديك ولو مرة واحدة، ثم أخبرني: ألم تشعر بشيء من دفء بيوت الجدات؟

0 تعليقات