في قرى الصعيد، كان صباح العيد يبدأ قبل الفجر بصوت الحطب وهو يتكسّر في الفرن البلدي، وبرائحة السمن التي تسبق الضوء إلى الحارات. كانت جدتي تجلس على "الطبلية" الخشبية، أكمامها مشمّرة، ويداها تفردان العجين حتى يصير شفافاً كورق اللفّ. ذلك هو الفطير المشلتت، الذي لم يكن طعاماً فحسب، بل إعلاناً بأنّ في البيت فرحاً أو ضيفاً عزيزاً.
هنا أشاركك الطريقة كما رأيتها بعيني طفلاً، مع ما تعلمته لاحقاً عن أسباب نجاحها.
لماذا لا يشبه فطير الجدات ما تشتريه من المحلات؟
كثيرون جرّبوا الفطير في محال "الفطاطري" بالمدن، ثم يعودون إلى القرية فيتذوقون فطير الجدات فيدركون الفرق من أول لقمة. السبب ليس سحراً، بل ثلاثة أشياء: السمن البلدي الحقيقي، والعجين المرتاح ساعات طويلة، ونار الفرن الطيني التي تلفح الفطيرة من كل الجهات في آن واحد.
تقول جدتي: "المشلتت عايز نَفَس طويل"، وتعني أنه يحتاج صبراً لا يملكه المستعجل. فالعجين الذي يُفرد بعد عشر دقائق من العجن يقاوم اليد ويتمزق، أما الذي يرتاح ساعة أو أكثر فيتمدد كالحرير. والتفسير العلمي أنّ شبكة الغلوتين في الدقيق تحتاج وقتاً لتسترخي؛ فالعجن يشدّها، والراحة تُرخيها، فتصير قابلة للتمدد دون أن تنقطع.
الفرق بين الفطير المشلتت والفطير الفلاحي
يخلط بعض الناس بين الاسمين. في كثير من قرى الدلتا يُطلق على الفطير الفلاحي اسم عام يشمل أنواعاً عدة، منها المشلتت. أما المشلتت تحديداً فهو الفطير متعدد الطبقات المدهونة بالسمن، الذي يُطوى ويُفرد مرات حتى تنفصل طبقاته عند الخَبز. وفي الصعيد يسمّونه أحياناً "الفطير البلدي" أو "فطير السمن"، وتختلف طريقة الطيّ من بيت إلى بيت.
مقادير الفطير المشلتت كما كانت جدتي تقيسها بكفّها
جدتي لم تكن تستعمل الموازين؛ كانت تقيس الدقيق "بالكوز" والسمن "بالمغرفة". لكنني وزنت ما تضعه مرة بعد مرة حتى وصلت إلى هذه المقادير التي تكفي فطيرتين متوسطتين:
كيلوغرام من الدقيق الأبيض متعدد الاستخدامات، ويفضّل دقيق فاخر عالي البروتين قليلاً.
ملعقة صغيرة ونصف من الملح.
ملعقة كبيرة من السكر (اختيارية، تساعد على التحمير).
نحو 550 إلى 600 مليلتر من الماء الدافئ، يُضاف تدريجياً.
ملعقتان كبيرتان من الخل الأبيض أو عصير الليمون (سر من أسرار الجدات لتليين العجين).
كوب ونصف من السمن البلدي للدهن، أي نحو 350 غراماً، ويمكن خلطه بنصف كمية من الزبدة.
نصف كوب من الزيت لدهن العجين أثناء الراحة.
كانت جدتي تقول وهي تسكب السمن: "الفطير اللي يشحّ عليه السمن، يشحّ عليك طعمه". أي أنّ البخل بالسمن يُفقد الفطير طعمه.
لماذا تضع الجدات الخل في العجين؟
قد يبدو الخل غريباً في عجين الفطير، لكنّ له منطقاً. الوسط الحمضي الخفيف يُضعف روابط الغلوتين قليلاً، فيصير العجين أكثر مرونة وأسهل فرداً دون تمزق. فضلاً عن ذلك يساعد على قرمشة الطبقات بعد الخَبز. ولن تشعر بأي طعم للخل في النتيجة النهائية، لأنه يتبخر مع الحرارة.
العجن والراحة: المرحلة التي يستعجلها الجميع
اخلط الدقيق والملح والسكر في وعاء واسع، واصنع حفرة في الوسط.
أضف الخل، ثم الماء الدافئ تدريجياً، واعجن بيدك.
استمر في العجن خمس عشرة دقيقة على الأقل، واضرب العجين على سطح العمل كما كانت الجدات يفعلن، حتى يصير ناعماً ليناً لا يلتصق بالكف.
قسّم العجين إلى كرات بحجم البرتقالة الكبيرة (نحو ثماني كرات).
ضع الكرات في صينية مدهونة بالزيت، وادهن سطحها بالزيت جيداً حتى لا تجف.
غطّها واتركها ترتاح ساعة على الأقل، والأفضل ساعتين أو ثلاثاً.
أما المؤشر الحسي على أنّ العجين جاهز، فاضغط بإصبعك على كرة منه؛ إن بقيت الحفرة ولم ترتد بقوة فقد استرخى الغلوتين. وإن ارتدت الحفرة بسرعة فاتركه نصف ساعة أخرى.
فن الفرد والطيّ: حيث تولد الطبقات
هذه هي اللحظة التي كنت أقف فيها مذهولاً أمام جدتي. كانت تمسك كرة العجين، تضعها على سطح الطبلية المدهون بالسمن، ثم تفردها بأطراف أصابعها من الوسط إلى الأطراف، وترفعها وتقلّبها في الهواء حتى تصير رقيقة جداً، تكاد ترى من خلالها نقوش الطبلية.
خطوات الفرد باليد
ادهن سطح العمل بالسمن أو الزيت، لا بالدقيق، فالدقيق يجفف العجين ويمنع تمدده.
ضع كرة العجين وافردها بكفّك إلى دائرة صغيرة.
ابدأ بشد الأطراف برفق بأصابعك من تحت العجين، واسحبها إلى الخارج.
استمر حتى تصير العجينة رقيقة شفافة بمساحة الطاولة تقريباً. لا تقلق من الثقوب الصغيرة، فالطبقات ستغطيها.
ادهن الورقة كلها بالسمن المذاب بسخاء باستعمال يدك أو فرشاة.
طريقة الطيّ التي تصنع المشلتت
اطوِ الجانب الأيمن إلى الوسط، ثم الأيسر فوقه، فتحصل على شريط طويل.
ادهن الشريط بالسمن، ثم اطوِ الطرف العلوي إلى الوسط والسفلي فوقه، فتحصل على مربع صغير.
ضع هذا المربع جانباً، وافرد كرة ثانية بالطريقة نفسها.
ضع المربع الأول في منتصف الورقة الثانية المدهونة، واطوِها حوله بالطريقة نفسها.
كرّر مع كرة ثالثة إن أردت فطيرة أسمك وأغنى بالطبقات.
اترك الفطيرة المطوية ترتاح عشر دقائق، ثم افردها برفق بكفيك إلى دائرة أو مربع بسُمك إصبع تقريباً.
السر العلمي للطبقات: السمن بين طبقات العجين يمنعها من الالتصاق ببعضها، وحين تدخل الفرن يتحوّل الماء في العجين إلى بخار يُنفخ بين الطبقات، فيرفعها وينفصل بعضها عن بعض. ولهذا فإنّ البخل بالسمن يُنتج فطيرة مصمتة كالخبز.
الخبز في الفرن البلدي وبدائله في المطبخ الحديث
كان الفرن البلدي في بيت جدتي مبنياً من الطين والطوب، يُشعل بحطب القطن وقش الأرز وأحياناً روث البهائم المجفف. وتعرف جدتي أنه جاهز حين يبيضّ سقفه الداخلي بعد أن كان أسود من السخام، وهي علامة على أنّ الحرارة وصلت إلى نحو 300 درجة أو أكثر.
كانت تكنس الجمر إلى الجانبين بـ"المِقحار"، وتضع الفطيرة على صاج مدهون، وتدخلها بالمطرحة الخشبية. خلال دقائق يرتفع الفطير وينتفخ، ويتحوّل لونه إلى ذهبي داكن، وتنبعث منه رائحة السمن المحمّص التي تجمع أطفال الحارة كلهم عند الباب.
عمل الفطير المشلتت في الفرن المنزلي
سخّن الفرن إلى أعلى درجة ممكنة، 250 إلى 280 درجة مئوية، مدة نصف ساعة على الأقل قبل الخَبز.
إن كان لديك حجر بيتزا أو صينية حديدية سميكة فسخّنها مع الفرن، فهي تحاكي أرضية الفرن الطيني.
اخبز الفطيرة على الرف السفلي من 15 إلى 20 دقيقة، ثم انقلها إلى الرف العلوي أو شغّل الشواية دقيقتين حتى يتحمّر السطح.
ادهن الوجه بالسمن فور خروجه من الفرن، ثم غطّه بقطعة قماش نظيفة دقائق ليلين قليلاً من الداخل ويبقى مقرمشاً من الخارج.
ما الذي تخسره في الفرن المنزلي؟ الحرارة العالية المفاجئة ورائحة الدخان الخفيفة. وما الذي تحتفظ به؟ الطبقات والقرمشة والطعم الأساسي، إن أحسنت العجن والطي. أما ما يُمكنك تعويضه فهو الرائحة: بعض الأسر تضع كوباً صغيراً من السمن في صينية داخل الفرن أثناء التسخين لتعطير الجو.
أخطاء تحوّل المشلتت إلى خبز سميك
رش الدقيق على السطح عند الفرد: يجعل العجين يجف ويتشقق. استعمل السمن أو الزيت دائماً.
استعمال سمن صناعي رديء: السمن النباتي المهدرج يترك طعماً شمعياً، ولا يعطي القرمشة نفسها.
تقليل وقت الراحة: العجين غير المرتاح يتمزق ويرتد، فلا يرقّ بما يكفي.
الخبز في فرن غير ساخن: الحرارة المنخفضة تذيب السمن قبل أن يتبخر الماء، فيسيل السمن ويصير الفطير دهنياً ثقيلاً.
الطي المُحكم الشديد: الضغط على الطبقات أثناء الطيّ يلصقها، والمطلوب لمسة خفيفة تحبس الهواء.
مع أي شيء يؤكل المشلتت في بيوت الصعيد ومصر؟
لكل بيت طقوسه. في الصعيد يُقدّم الفطير المشلتت غالباً مع العسل الأسود (عسل القصب) والطحينة الممزوجين معاً، أو مع الجبن القديم "المِش" لمن يحب الطعم الحاد، أو مع القشطة الفلاحي الطازجة والعسل الأبيض. وفي الدلتا يُؤكل مع الجبن القريش والعسل، أو يُغمس في اللبن الرائب.
ولأنّ الفطير يُحمل هدية، فقد كان من العادات أن تُرسل الأم فطيراً مع ابنتها في زيارتها الأولى لبيت أهل الزوج، أو يُحمل في "المواسم" إلى المقابر ويُوزّع على المارة والفقراء. أذكر أنّ جدتي كانت تعدّ عشر فطائر في آخر يوم من رمضان، تبقي اثنتين للبيت وتوزع الباقي على الجيران قبل صلاة العيد.
أسرار الفطير المشلتت الصعيدي التي لا تُكتب
بعض الجدات يضفن بيضة واحدة إلى العجين لتقوية الطبقات، لكن الأصل بلا بيض.
الماء الدافئ أفضل من البارد في الشتاء، لأنه يُسرّع استرخاء الغلوتين.
السمن يجب أن يكون مذاباً فاتراً، لا ساخناً، حتى لا "يطبخ" العجين الرقيق.
تُرشّ بعض البيوت حبة البركة أو السمسم على الوجه قبل الخَبز.
بين الصعيد والدلتا: كيف يختلف المشلتت من قرية إلى أخرى؟
حين تزوّج عمي من بنت إحدى قرى المنوفية، اكتشفنا أنّ فطيرها يختلف عن فطير جدتي اختلافاً واضحاً. كانت تفرد العجين بالنشابة (الشوبك) لا باليد، وتلفّه على هيئة حلزون طويل بدل المربعات، ثم تضغطه وتفرده مرة أخرى. خرج فطيرها أكثر انتفاخاً في الوسط وأقل قرمشة عند الأطراف، بينما خرج فطير جدتي مسطحاً متساوي الطبقات. ولم يتنازل أي منهما عن طريقته، وكان المجلس ينقسم في كل عيد إلى فريقين.
الصعيد: الغالب الفرد باليد حتى الشفافية، والطيّ المربع، والسمن البلدي من لبن الجاموس، والتقديم مع العسل الأسود والطحينة أو المِش.
الدلتا والمنوفية: يكثر اللفّ الحلزوني، وتُستعمل أحياناً الزبدة الفلاحي مع السمن، ويُقدّم مع الجبن القريش والعسل الأبيض.
الشرقية والقليوبية: يُعرف في بعض البيوت نوع يُضاف إلى عجينه قليل من الحليب بدل جزء من الماء، فيخرج أنعم وأفتح لوناً.
المدن: تحوّل المشلتت في محال الفطاطري إلى وجبة بحشوات حلوة ومالحة، وصار يُخبز في أفران معدنية تعمل بالغاز.
ولا يعني هذا أنّ طريقة أصحّ من غيرها؛ فالمهم في كل الأحوال هو العجين المرتاح، والسمن السخي، والحرارة العالية. وما عدا ذلك تفاصيل تحمل بصمة كل بيت.
حفظ الفطير المشلتت وتسخينه دون أن يفقد قرمشته
يتحمّل الفطير المشلتت الحفظ أكثر مما تتصور، بفضل السمن الذي يعمل عازلاً. كانت جدتي تلفّه في قماش أبيض نظيف وتضعه في "المِشنّة" المصنوعة من الخوص، فيبقى صالحاً ثلاثة أو أربعة أيام في جو الشتاء المعتدل.
اتركه يبرد تماماً قبل التغليف، حتى لا يتكثف البخار فيلينه.
لفّه في ورق زبدة ثم في كيس محكم، واحفظه في درجة حرارة الغرفة يومين، أو في الثلاجة أسبوعاً.
للحفظ الطويل، جمّده مقطّعاً حتى ثلاثة أشهر.
لتسخينه، ضعه في فرن حرارته 180 درجة من خمس إلى سبع دقائق، ولا تستعمل الميكروويف لأنه يُطريه ويُفقده قرمشته.
أسئلة شائعة عن الفطير المشلتت
هل يمكن عمل الفطير المشلتت بالزبدة فقط؟
نعم، لكن الزبدة تحتوي على ماء أكثر من السمن، فتكون النتيجة أقل قرمشة. الأفضل خلط الزبدة مع السمن أو الزيت بنسبة متساوية.
ما الذي يسبب تمزق العجين عند الفرد؟
غالباً قلة وقت الراحة أو قلة الماء. اترك العجين يرتاح وقتاً أطول، وتأكد من أنه طري لين عند العجن.
هل يمكن حشو الفطير المشلتت؟
المشلتت الأصلي بلا حشو، لكن يمكن وضع طبقة من الجبن أو السكر والقرفة بين الطبقات عند الطيّ، وهذا ما يُعرف في المحلات بالفطير المحشي.
كم يستغرق إعداد الفطير من البداية إلى النهاية؟
نحو ثلاث ساعات، منها ساعتان راحة للعجين، وثلث ساعة للطي، وعشرون دقيقة للخبز.
رائحة لا تُنسى في صباح العيد
اليوم أصنع الفطير المشلتت في فرن كهربائي صغير في شقة بالمدينة، بعيداً عن الطبلية والحطب والمِقحار. ومع ذلك، حين أفرد العجين حتى يشفّ، وأدهنه بالسمن، وأشمّ رائحته وهو يتحمّر، أعود فجأة طفلاً ينتظر عند باب الفرن البلدي.
جرّب طريقة عمل الفطير المشلتت هذه بصبر، ولا تيأس إن جاءت الفطيرة الأولى غير مثالية؛ فجدتي نفسها قالت إنّ أول فطيرة صنعتها "ما أكلهاش حتى القطط". ومع كل محاولة ستتعلم يداك ما لا تعلّمه الكلمات. فهل ستجرّبه صباح هذه الجمعة؟

0 تعليقات