في آخر الصيف، حين يُحصد القمح وتمتلئ البيادر، كانت جدتي تفرش حصيرة كبيرة على سطح البيت وتنثر عليها القمح المسلوق ليجف في الشمس. وبعد أيام يبدأ صوت الرحى الحجرية في الغرفة الخلفية، دوّاراً رتيباً يشبه الهدير البعيد. من ذلك القمح المجروش تولد الجريشة الفلسطينية، ومن جارتها في الخابية تولد الكشكة.
أكلتان من أكلات الفلاحين البسيطة، لكنهما تحملان حكمة كاملة في تدبير المؤونة. هنا أرويهما لك كما عرفتهما.
الجريشة الفلسطينية: قمح الحصاد في قِدر الشتاء
الجريشة في أبسط تعريفها هي القمح المجروش جرشاً خشناً، يُطبخ مع اللحم أو الدجاج والبصل والسمن حتى يصير كالعصيدة المتماسكة. وتختلف عن البرغل في أنّ البرغل يُسلق ويُجفف قبل الجرش، بينما الجريشة التقليدية كثيراً ما تُجرش من القمح المجفف غير المسلوق، فتبقى أكثر نشاً وأكثر لزوجة عند الطبخ.
وهي طبق يحمل أسماء عدة في المنطقة: "الجريش" في نجد والخليج، و"الهريس" حين يُطحن أنعم ويُطبخ مع اللحم حتى يذوب، و"الجريشة" في فلسطين والأردن. لكنّ ما يميز الجريشة الفلسطينية أنها غالباً تُطبخ بالبصل المقلي بغزارة، وأحياناً بالبندورة، وتُقدّم في صحن واسع يتوسطه السمن البلدي الذائب.
كيف كانت الجدات يجرشن القمح في البيت؟
انقِّ القمح من الحصى والتبن والحبوب الغريبة على صينية واسعة.
اغسله بالماء عدة مرات حتى يصفو الماء، ثم انشره على قماش نظيف ليجف في الشمس يوماً أو يومين.
رشّ عليه قليلاً من الماء قبل الجرش بساعة، فهذا يُليّن القشرة الخارجية فتنفصل بسهولة.
اجرشه في الرحى الحجرية أو في المطحنة الكهربائية على الدرجة الخشنة، على دفعات صغيرة.
انخل الجريش لتفصل الطحين الناعم (يُستعمل لتكثيف الشوربات) عن الحبيبات الخشنة.
انفخ على الجريش أو ذرّه في الهواء قرب نافذة لتطير القشور الخفيفة.
تذكر جدتي أنها كانت تجلس مع سلفتها (زوجة أخي زوجها) أمام الرحى، واحدة تُدير المقبض والأخرى تُطعم الحبوب في الفتحة، وتغنيان أغاني الحصاد لتقطعا الوقت. وكانت تقول: "الرحى بدها ثنتين، وحدة تدير ووحدة تحكي".
مقادير الجريشة الفلسطينية وطريقة طبخها
هذه مقادير تكفي ستة أشخاص، وهي كما كانت جدتي تطبخها في ليالي كانون:
كوبان من الجريش الخشن (نحو 400 غرام).
كيلوغرام من لحم الغنم بالعظم، أو دجاجة كاملة مقطعة.
ثلاث حبات بصل كبيرة، واحدة للمرق واثنتان للقلي.
ملعقتان صغيرتان من الملح، وملعقة صغيرة من البهار الحلو، ونصف ملعقة صغيرة من الكمون.
ثلاث حبات هيل، وورقتا غار، وعود قرفة.
ربع كوب من السمن البلدي، ونصف كوب من زيت الزيتون.
من ثمانية إلى تسعة أكواب من الماء أو المرق.
اختياري: حبتا بندورة مبشورتان، أو ملعقة من دبس البندورة.
خطوات الطبخ
انقع الجريش في الماء ساعتين على الأقل، أو ليلة كاملة إن كان خشناً جداً.
اسلق اللحم مع البصلة الأولى المقطعة أرباعاً والهيل والغار والقرفة، وأزل الرغوة أولاً بأول، حتى ينضج (نحو ساعة ونصف).
أخرج اللحم وصفِّ المرق.
صفِّ الجريش وأضفه إلى المرق مع الملح والبهارات، واتركه يغلي ثم خفف النار.
اطبخه على نار هادئة جداً مع التحريك كل عشر دقائق بملعقة خشبية، لأنه يلتصق بالقاع بسهولة، مدة ساعة أو أكثر.
في هذه الأثناء اقلِ البصل الشرائح في زيت الزيتون حتى يصير بنياً ذهبياً مقرمشاً.
حين يصير الجريش متماسكاً كالعصيدة ويترك جوانب القدر عند التحريك، أعد إليه اللحم مفتتاً أو قطعاً، ونصف كمية البصل المقلي.
اسكبه في صحن واسع، واصنع حفرة في الوسط واسكب فيها السمن الذائب، وزيّن بباقي البصل.
كانت جدتي تقول وهي تحرّك القدر: "الجريشة ما بتحب اللي بيتركها". أي أنها تحتاج مراقبة وتحريكاً دائماً، فإن تُركت التصقت واحترقت.
والعلامة الحسية على النضج: حين تأخذ ملعقة من الجريشة وتقلبها، فتسقط كتلة واحدة ببطء ولا تسيل. وحين تتذوق الحبة فتجدها طرية تماماً بلا قلب صلب.
الكشكة: لبن الربيع المحفوظ في كرات الشمس
أما الكشكة فقصتها مختلفة. هي خليط من البرغل واللبن الرائب يُترك ليتخمر أياماً، ثم يُشكّل كرات ويُجفف في الشمس، ويُحفظ لأشهر الشتاء. ويُعرف في لبنان وسوريا باسم "الكشك"، وفي بعض القرى الفلسطينية والأردنية باسم "الكشكة" أو "الجميد بالبرغل"، مع فروق صغيرة في التحضير.
كان موسم الكشكة يأتي في أواخر الربيع وبداية الصيف، حين يكثر حليب الأغنام ويصعب استهلاكه كله طازجاً. فتلجأ الجدات إلى تحويله إلى مؤونة جافة لا تفسد، في حيلة ذكية تجمع بين التخمير والتجفيف.
مقادير الكشكة البلدية
كيلوغرام من البرغل الخشن.
من ثلاثة إلى أربعة كيلوغرامات من اللبن الرائب، ويُفضّل لبن الغنم أو الماعز.
ملعقة كبيرة ونصف من الملح.
اختياري: ملعقة كبيرة من الزعتر المجفف أو النعناع.
خطوات تحضير الكشكة كما تعلّمتها
اغسل البرغل وصفّه، ثم ضعه في وعاء فخاري أو زجاجي واسع.
أضف ثلث كمية اللبن مع الملح، واخلط جيداً، ثم غطِّ الوعاء بقماش نظيف.
اتركه في مكان دافئ يوماً كاملاً حتى يمتص البرغل اللبن.
أضف ثلثاً آخر من اللبن، وادعك الخليط بيدك جيداً، واتركه يوماً آخر.
كرّر مع الثلث الأخير، واستمر في الدعك مرة أو مرتين يومياً مدة تتراوح بين ستة أيام وعشرة.
تعرف أنّ الخليط جاهز حين تصير رائحته حامضة لطيفة كرائحة الخبز المخمّر، ويصير البرغل طرياً تماماً عند الضغط.
شكّل الخليط كرات صغيرة بحجم الجوزة أو أقراصاً، وضعها على قماش نظيف في مكان مشمس مُهوّى، وغطّها بشاش رقيق.
قلّبها يومياً حتى تجف تماماً وتصير صلبة كالحجر (من خمسة أيام إلى عشرة).
احفظها في أكياس قماشية أو برطمانات زجاجية في مكان جاف.
لماذا لا تفسد الكشكة رغم أنها مصنوعة من اللبن؟
هنا يظهر العلم الخفي في طريقة الجدات. فالتخمير أولاً يحوّل سكر الحليب إلى حمض اللاكتيك، فيرتفع الوسط الحمضي إلى حد تعجز فيه معظم البكتيريا الضارة عن العيش. ثم يأتي الملح ليسحب الماء ويزيد الحماية. وأخيراً التجفيف في الشمس يُزيل ما تبقى من ماء، فلا يجد أي كائن دقيق بيئة للتكاثر.
ومن ثَمّ فإنّ ثلاث حمايات تعمل معاً: الحموضة، والملح، والجفاف. ولهذا تصمد الكشكة سنة كاملة وأكثر إن حُفظت جيداً. بل إنّ البرغل نفسه يتغير أثناء التخمير، فيصير أسهل هضماً وأغنى بالنكهة الحامضة العميقة التي لا تُصنع بأي طريقة أخرى.
طبخ الكشكة في الشتاء
في أيام البرد كانت جدتي تنقع ثلاث أو أربع كرات من الكشكة في الماء الدافئ ليلة كاملة، ثم تفركها بيدها حتى تذوب وتصير كالعجينة السائلة. تقلي البصل والثوم في السمن مع قليل من القاورما، ثم تضيف الكشكة المذابة والماء، وتحرّك باستمرار على نار متوسطة حتى تغلي وتتكثف كالشوربة الكثيفة. تُقدّم ساخنة مع الخبز والبصل الأخضر والزيتون.
أخطاء شائعة عند عمل الجريشة والكشكة
عدم نقع الجريش: الجريش غير المنقوع يحتاج وقتاً مضاعفاً ويبقى قاسياً في قلبه.
الطبخ على نار عالية: يحرق الجريش في القاع قبل أن ينضج من الأعلى.
الإسراع في تشكيل الكشكة: إن لم يكتمل التخمير، ستكون الكرات بلا نكهة وقد تتعفن أثناء التجفيف.
التجفيف في جو رطب أو في الظل: تتعفن الكرات من الداخل قبل أن تجف.
الكرات الكبيرة جداً: تجف من الخارج وتبقى رطبة من الداخل.
ترك الكشكة بلا تحريك أثناء الطبخ: تتكتل وتلتصق وتحترق بسرعة بسبب البروتين في اللبن.
بين فلسطين والأردن ولبنان: فروق صغيرة تصنع هوية كل بيت
ما يُطبخ في قرى الخليل يختلف قليلاً عمّا يُطبخ في قرى الجليل أو في جبل لبنان، وهذا جزء من غنى المطبخ الشامي.
في الخليل وجنوب فلسطين: تُطبخ الجريشة غالباً باللحم والبصل، وتُقدّم في المناسبات والأعراس، وقد تُضاف إليها البندورة.
في شمال فلسطين: قد تُطبخ الجريشة بالدجاج أو باللبن كنوع من الشوربة الغنية.
في الأردن: الجريشة قريبة من الفلسطينية، أما الجميد فيحتل مكان الكشكة في كثير من الأطباق.
في لبنان وسوريا: الكشك يُطحن بعد التجفيف ليصير مسحوقاً ناعماً، ويُحفظ هكذا، ويُستعمل في المناقيش والشوربات.
أذكر أنّ عمتي التي تزوجت في قرية بعيدة كانت تصنع الكشكة مع النعناع المجفف، فكانت رائحتها تختلف عن كشكة جدتي. ولم يكن أحد يقول إنّ واحدة أصحّ من الأخرى؛ بل كانت كل جدة تفخر بطريقتها وتدافع عنها كما تدافع عن اسم عائلتها.
على سفرة الجدة: كيف تُقدَّم الجريشة وماذا يرافقها؟
لم تكن الجريشة تُقدّم في صحون فردية صغيرة كما نفعل اليوم، بل في "سدر" نحاسي أو صحن فخاري واسع يوضع وسط الحصيرة، ويتحلق حوله أهل البيت. وكان لكل واحد "جهته" من الصحن لا يتعداها، والصغار يأكلون من الأطراف، بينما يبقى الوسط، حيث بركة السمن، لمن يأتي متأخراً من الحقل. وكانت جدتي تمرّر الملعقة على سطح الجريشة قبل التقديم لتصنع خطوطاً دائرية يتجمع فيها السمن، وتقول إنّ "العين بتوكل قبل الثم"، أي أنّ العين تأكل قبل الفم.
اللبن الرائب البارد: يوازن ثقل السمن ودفء الجريش، وكثيرون يسكبونه فوق الطبق مباشرة.
السلطة البلدية: بندورة وخيار وفلفل حار وبصل أخضر بزيت الزيتون والليمون.
المخللات: خصوصاً اللفت الأحمر والخيار المخلل، لحموضتها التي تفتح الشهية.
الفلفل الحار المدقوق: يرشّه عشاق الحرارة على الوجه.
حفظ الجريشة المطبوخة وإعادة تسخينها
تتماسك الجريشة وتشتد عندما تبرد، وهذا طبيعي بسبب النشا. احفظها في الثلاجة في وعاء محكم مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام. وعند التسخين أضف نصف كوب من الماء أو المرق الساخن لكل كوبين من الجريشة، وحرّك على نار هادئة حتى تستعيد ليونتها، ثم أضف ملعقة سمن جديدة قبل التقديم لتعود إليها الرائحة. ولا تجمّدها إلا إن اضطررت، لأنّ قوامها يصير حبيبياً بعد الذوبان.
ماذا تفعل إن لم تكن لديك رحى ولا شمس صيفية؟
اشترِ الجريش جاهزاً من محلات الحبوب، وتأكد أنه خشن وليس ناعماً كالسميد.
استعمل طنجرة الضغط لطبخ الجريشة في 35 دقيقة بدل ساعة ونصف، مع التحريك بعد فتحها.
للكشكة، جفّف الكرات في فرن على أدنى حرارة مع باب مفتوح قليلاً، أو في مجفف طعام كهربائي.
ما تخسره هو نكهة الشمس الخفيفة ولمسة الرحى الحجرية التي تترك الحبات غير منتظمة، وما تحتفظ به هو الطعم الأساسي والفائدة.
أسئلة شائعة عن الجريشة الفلسطينية والكشكة
ما الفرق بين الجريشة والبرغل؟
البرغل يُسلق ويُجفف قبل الجرش، أما الجريش فغالباً يُجرش من القمح الجاف دون سلق، فيبقى نشوياً أكثر ويُعطي قواماً لزجاً عند الطبخ.
هل يمكن طبخ الجريشة بلا لحم؟
نعم، يمكن طبخها بمرق الخضار والبصل المقلي والسمن، وتكون خفيفة ولذيذة.
كم تدوم الكشكة المجففة؟
إن جفّت تماماً وحُفظت في مكان جاف بعيد عن الرطوبة، فتصمد سنة أو أكثر.
لماذا جاءت الكشكة مُرّة؟
غالباً بسبب تخمير زائد في جو حار جداً، أو لبن قديم. حاول التخمير في مكان معتدل الحرارة، واستعمل لبناً طازجاً.
ما بين البيدر والقدر
حين أطبخ الجريشة الفلسطينية اليوم في مطبخي الصغير، لا أسمع صوت الرحى ولا أرى البيادر، لكن رائحة البصل المقلي والسمن تعيدني إلى تلك الأمسيات الطويلة. وحين أذيب كرة من الكشكة في الماء الدافئ، أتذكر الحصيرة على السطح، وجدتي تقلّب الكرات تحت الشمس وتنهرنا إن اقتربنا منها.
جرّب طريقة عمل الجريشة هذا الشتاء، وإن كان لديك صبر فجرّب الكشكة في الربيع. وأخبرني: هل كانت جدتك تصنع الجريشة الفلسطينية باللحم أم بالدجاج؟ وماذا كانت تضع فوقها؟

0 تعليقات