أكلات جدات زمان في رمضان التي اندثرت وطريقة تحضيرها


قبل المغرب بساعة، كان بيت جدتي يتحول إلى خلية نحل. رائحة السمن والهيل تملأ الممر، وصوت الهاون يدق الحب، وأنا أحمل صحناً مغطى بقماش أبيض إلى بيت الجيران، ثم أعود بصحن آخر منهم. لم تكن المائدة الرمضانية وقتها مزدحمة بالمقليات والمعجنات الجاهزة، بل كانت فيها أكلات رمضان القديمة التي لا نكاد نسمع بأسمائها اليوم.

هذا المقال محاولة لإنقاذ بعض تلك الأطباق من النسيان، مع طريقة تحضيرها كما عرفتها في بيتنا وبيوت الحي.



لماذا اختفت أطباق جداتنا من سفرة رمضان؟

قبل أن نبدأ بالوصفات، يستحق هذا السؤال وقفة. لم تندثر هذه الأكلات لأنها سيئة الطعم، بل لأسباب يعرفها كل من عاش التحول: فهي تحتاج وقتاً طويلاً وصبراً، ومكوناتها كانت تُصنع في البيت كالسمن البلدي والتمر المعجون والدقيق المحمّص، ثم إنّ المائدة الحديثة امتلأت بالمنتجات الجاهزة سريعة التحضير.

على أنّ هناك سبباً أعمق: هذه الأطباق كانت مصممة لجسد صائم يعمل في الحقل أو البحر أو الرعي طوال النهار، فهي غنية بالطاقة سهلة الهضم. ومع تغيّر نمط الحياة صارت تبدو "ثقيلة" لمن يقضي يومه جالساً. غير أنّ كثيراً منها يمكن تخفيفه دون أن يفقد روحه، كما سأشرح.

المريس: مشروب الإفطار الذي سبق العصائر الملونة

قبل أن تنتشر مشروبات الأكياس الملونة، كان المريس هو شراب الإفطار في كثير من بيوت نجد والحجاز. تمر منقوع في الماء يُمرس باليد حتى يذوب، ثم يُصفّى ويُشرب بارداً. بسيط إلى حد الدهشة، لكنه يعيد إلى الصائم السكر والأملاح والسوائل دفعة واحدة.

طريقة عمل المريس

  1. انزع النوى من 250 غراماً من التمر الطري، ويفضّل السكري أو الخلاص.

  2. انقع التمر في لتر من الماء بعد صلاة العصر مباشرة، أي قبل الإفطار بثلاث ساعات تقريباً.

  3. قبل المغرب بنصف ساعة، امرس التمر بيدك داخل الماء حتى يتفتت ويذوب.

  4. صفّه بمصفاة ناعمة أو بقطعة شاش، واعصر البقايا جيداً.

  5. أضف رشة من الهيل المطحون، أو قليلاً من ماء الورد، وقدّمه بارداً.

كانت جدتي تضع إناء المريس في "الزير" الفخاري ليبرد، لأنّ الفخار المسامي يُبرّد الماء بالتبخر. وكانت تقول: "المريس يرد الروح للصايم"، أي يعيد إليه نشاطه.

الخبيصة: حلوى السمن والتمر التي كانت تُعدّ للسحور

في ليالي رمضان الباردة، كانت جدتي تعدّ الخبيصة للسحور. وهي حلوى خليجية ونجدية قديمة من الدقيق المحمّص بالسمن مع التمر أو السكر والهيل والزعفران. وقد عرفت البيوت العربية أنواعاً كثيرة من الخبيص، ويختلف تحضيره من منطقة إلى أخرى.

مقادير الخبيصة

  1. كوب من الدقيق الأسمر أو الأبيض.

  2. نصف كوب من السمن البلدي.

  3. كوب من التمر المنزوع النوى المعجون، أو ثلاثة أرباع كوب من السكر.

  4. ملعقة صغيرة من الهيل المطحون، ورشة من الزعفران المنقوع في ماء الورد.

  5. نصف كوب من الماء الساخن.

خطوات التحضير

  1. حمّص الدقيق في مقلاة جافة على نار هادئة مع التحريك المستمر، حتى يصير بلون البسكويت وتفوح منه رائحة المكسرات (نحو عشر دقائق).

  2. أضف السمن وحرّك حتى يتشرب الدقيق ويصير متماسكاً كالرمل المبلل.

  3. أذب التمر في الماء الساخن، ثم أضفه إلى الخليط تدريجياً مع التحريك.

  4. أضف الهيل والزعفران، واستمر في التحريك حتى ينفصل الخليط عن جوانب المقلاة.

  5. اسكبه في صحن وزيّنه بالسمسم المحمص أو اللوز.

العلامة الحسية التي كانت جدتي تعتمد عليها: حين يلمع الخليط ويبدأ السمن بالظهور على الأطراف، فقد نضجت الخبيصة. أما إن بقي جافاً باهتاً فيحتاج ملعقة سمن إضافية.

كانت جدتي تقول: "الخبيصة تسحّر الصايم لين الظهر". أي أنها تمنحه طاقة تكفيه حتى الظهيرة.

أطباق أخرى من أكلات رمضان القديمة في البيوت العربية

العصيدة اليمنية والخليجية

في اليمن كانت العصيدة حاضرة على موائد رمضان، تُصنع من الدقيق والماء المغلي، وتُضرب بالمِسواط (المغرفة الخشبية) حتى تتماسك، وتُقدّم في وسطها حفرة فيها السمن البلدي والعسل أو المرق الحار. وفي الخليج كانت العصيدة تُطبخ بالتمر المعجون أو باليقطين، وتُسمّى في بعض المناطق "عصيدة البر" أو "عصيدة القرع".

أما سر العصيدة الناجحة فهو الضرب المتواصل بقوة؛ فالتكتلات تتكون إن توقفت لحظة. وكانت جدات اليمن يثبتن القِدر بين أقدامهن ويضربن بالمِسواط بكلتا اليدين، في مشهد يشبه العمل الشاق أكثر من الطبخ.

المحلبية بماء الورد في بيوت مصر والشام

قبل أن تنتشر الحلويات الجاهزة، كانت المهلبية البسيطة تُعدّ من الحليب والأرز المطحون أو النشا، وتُعطّر بماء الورد أو ماء الزهر، وتُسكب في صحون صغيرة تُترك في النافذة لتبرد في هواء الليل. وكانت الجدات يرششن فوقها الفستق المطحون أو جوز الهند.

  1. اخلط لتراً من الحليب البارد مع نصف كوب من الأرز المطحون ونصف كوب من السكر.

  2. ضعه على نار متوسطة مع التحريك المستمر حتى يغلي ويتكثف (نحو عشر دقائق).

  3. أضف ملعقتين كبيرتين من ماء الورد أو ماء الزهر، واتركه دقيقة.

  4. اسكبه في صحون صغيرة، واتركه يبرد ثم ضعه في مكان بارد.

الهريس: طبق الصبر والليل الطويل

الهريس طبق خليجي عريق من القمح واللحم، يُطبخ ساعات طويلة حتى يذوب اللحم في القمح ويصيران كتلة واحدة ناعمة. كانت جدات الخليج يطبخنه من بعد العصر، أو يتركنه على الجمر طوال الليل، ويضربنه بالمِضراب الخشبي حتى يصير ناعماً. ويُقدّم في رمضان وفي الأعياد، مع السمن البلدي والسكر والقرفة أحياناً.

شوربة الحب: أول ما يلمس معدة الصائم

لا أذكر إفطاراً في بيت جدتي بلا شوربة الحب. والحب هنا هو القمح المجروش المقشور، يُطبخ مع قطع صغيرة من لحم الغنم والبصل والبهارات حتى يلين ويتكثف المرق. كانت تبدأ تحضيرها بعد الظهر، وتتركها تغلي على مهل ساعتين، وتضيف في آخرها ملعقة من معجون الطماطم وعصرة ليمون يابس (لومي). ولأنها دافئة غنية بالسوائل، فهي تُعيد إلى الجسم ما فقده في النهار دون أن تُثقل المعدة.

  1. انقع كوباً من الحب المجروش ساعة، ثم صفّه.

  2. حمّر نصف كيلوغرام من لحم الغنم المكعبات الصغيرة مع بصلة مفرومة في ملعقة سمن.

  3. أضف الحب، وملعقة صغيرة من البهارات المشكلة، ونصف ملعقة صغيرة كركم، وحبة لومي مثقوبة، وملحاً حسب الرغبة.

  4. اسكب ثمانية أكواب من الماء الساخن، واتركها تغلي على نار هادئة ساعة ونصفاً مع التحريك بين حين وآخر.

  5. أضف ملعقة معجون طماطم في آخر ربع ساعة، وقدّمها مع الليمون.

تعرف أنها جاهزة حين تتفتح حبات القمح وتصير كالزهر، ويتكثف المرق حتى يغطي ظهر الملعقة.

الساقو والتمرية: حلويات الجدات بلا فرن

في بيوت الخليج كانت الجدات يعددن "الساقو"، وهو حبيبات النشا الشفافة (اللؤلؤ) تُطبخ في الماء مع السكر والزعفران والهيل وماء الورد حتى تصير كالجيلي اللامع. أما "التمرية" فهي حلوى من السميد المحمّص بالسمن مع التمر المعجون، قريبة من الخبيصة لكنها أنعم قواماً. وكلاهما لا يحتاج فرناً، وهذا سر انتشارهما في بيوت لم يكن فيها فرن أصلاً.

وهذا في حد ذاته درس من دروس أكلات رمضان القديمة: أنّ البساطة لم تكن عائقاً، بل كانت مصدر إبداع. فمن دقيق وسمن وتمر صنعت الجدات عشرات الأطباق المختلفة، يتغير فيها التحميص والنسب والتوابل فقط.

أخطاء تجعل هذه الأكلات ثقيلة أو فاشلة

  • تحميص الدقيق على نار عالية: يحترق من الخارج ويبقى نيئاً من الداخل، فيعطي طعماً مُرّاً. النار الهادئة والتحريك المستمر أساس الخبيصة.

  • الإفراط في السمن: الجدات كن يستعملن كمية كبيرة من السمن لأنّ الحياة كانت أشد جهداً. يمكنك تقليل الكمية إلى الثلثين دون أن تفقد الطعم.

  • ترك المريس وقتاً طويلاً: إن نُقع أكثر من يوم في جو حار فقد يبدأ بالتخمر، فيتغير طعمه.

  • عدم التحريك في العصيدة والمهلبية: يؤدي إلى تكتلات والتصاق في القاع.

  • الإفطار على الأطباق الثقيلة مباشرة: الجدات كن يبدأن الإفطار بالتمر والماء أو المريس، ثم يصلين، ثم يعدن إلى الطعام الثقيل.

كيف كانت تُرتّب سفرة الإفطار في بيت جدتي؟

لم تكن المائدة تُفرش دفعة واحدة. كان هناك ترتيب صارم لا يتغير:

  1. عند الأذان: تمر وماء أو مريس أو لبن، فقط.

  2. بعد صلاة المغرب: الشوربة، سواء كانت شوربة الحب (القمح المجروش) أو العدس أو الشعيرية.

  3. ثم الطبق الرئيسي: الهريس أو الثريد أو الجريش أو المرقوق بحسب اليوم.

  4. بعد صلاة التراويح: الحلويات كالمهلبية أو اللقيمات، مع القهوة والشاي.

  5. عند السحور: الخبيصة، أو الخبز مع السمن والعسل، أو الأرز باللبن.

هذا الترتيب لم يكن عادة فقط، بل حكمة غذائية. فالبدء بالتمر والماء يرفع سكر الدم برفق، والصلاة تمنح المعدة وقتاً لتستعد، ثم تأتي الشوربة الدافئة لتهيئة الجهاز الهضمي، قبل الطعام الثقيل.

الصحن الذي يدور بين البيوت

من أجمل عادات رمضان القديمة التي اندثرت أيضاً عادة تبادل الأطباق بين الجيران قبل الإفطار. كان كل بيت يرسل صحناً صغيراً من طبخته إلى البيوت المجاورة، فتجد على مائدتك أطباقاً من خمسة بيوت مختلفة. ولم يكن من اللائق إعادة الصحن فارغاً؛ بل يُعاد وفيه شيء من طبخ البيت الآخر. وكنت أنا "ساعي البريد" الرسمي في حيّنا، أعرف طبخة كل بيت قبل أن يعرفها أهله.

كيف تعيد أكلات رمضان القديمة إلى سفرتك بطريقة عصرية؟

  • اصنع المريس بدل العصائر الجاهزة؛ فهو أرخص وأصح، ولا يحتاج إلى سكر مضاف.

  • قلّل السمن في الخبيصة إلى الثلثين، واستعمل الدقيق الأسمر لألياف أكثر.

  • اطبخ الهريس في طنجرة الضغط لمدة ساعة بدل ست ساعات، ثم اضربه بالخلاط اليدوي.

  • قدّم المهلبية بالحليب قليل الدسم، وقلل السكر، وزد ماء الورد.

  • خصّص يوماً واحداً في الأسبوع لطبق قديم، واطلب من كبار العائلة أن يعلّموا الصغار تحضيره.

ما الذي تخسره في النسخة العصرية؟ ربما قليلاً من العمق الذي يأتي من الطبخ البطيء على الحطب، ومن السمن البلدي الحقيقي. لكنك تحتفظ بالجوهر: النكهة، والذاكرة، والمعنى.

أسئلة شائعة عن أكلات رمضان القديمة

ما أشهر أكلات رمضان القديمة في الخليج؟

الهريس، والثريد، والجريش، والخبيصة، والمريس، واللقيمات، والساقو. وكثير منها ما زال حاضراً في بعض البيوت، لكنه تراجع في المدن.

هل الخبيصة مناسبة لمرضى السكري؟

هي غنية بالسكريات والدهون، لذلك يُنصح مرضى السكري بتناول كمية صغيرة جداً منها، أو استشارة الطبيب، أو إعداد نسخة مخففة بكمية تمر أقل.

كم يدوم المريس بعد تحضيره؟

يُفضّل شربه في اليوم نفسه، ويمكن حفظه في الثلاجة يوماً واحداً فقط.

هل يمكن تحضير الهريس بالدجاج؟

نعم، وهي نسخة منتشرة اليوم، وتحتاج وقتاً أقل من لحم الغنم، لكن طعمها أخف.

قبل أن يؤذن المغرب

كلما اقترب رمضان، أشتاق إلى تلك الساعة التي تسبق الأذان في بيت جدتي: الصحون المغطاة، والتمر في الوعاء النحاسي، والمريس في الزير، وصوت الراديو يتلو القرآن. لم تكن أكلات رمضان القديمة مجرد طعام، بل كانت طريقة حياة، تجمع الناس حول القِدر والصحن المتنقل.

جرّب هذا العام أن تعيد طبقاً واحداً منها إلى سفرتك، وليكن المريس أو الخبيصة، ثم احكِ لأطفالك من أين جاء. وشاركني: أي طبق من أكلات رمضان القديمة كانت جدتك تعدّه ولم تعد تراه اليوم؟ فلعلّنا معاً ننقذه من النسيان.

إرسال تعليق

0 تعليقات