في صباحات الشتاء بالسراة، حين يلف الضباب الجبال ويتسلل البرد إلى العظام، كانت جدتي تجلس أمام موقد الحجر، تنفخ في الجمر، وتنتظر اللحظة التي تُدفن فيها العجينة تحت الرماد.
تلك العجينة كانت خبز المقناة، الخبزة المدفونة التي تخرج مدخنة مقرمشة الوجه طرية القلب. وفي هذا المقال أروي لك كيف كانت جدات الحجاز وسراته يصنعنها خطوة بخطوة، وكيف تتحول في اليوم نفسه إلى الفتة الحجازية بالسمن والعسل.
خبزة تولد تحت الرماد: حكاية المقناة
اسم المقناة مأخوذ من فكرة "القنو" أو الإخفاء؛ فالخبزة تُخفى تحت غطاء وتُطمر بالجمر والرماد حتى تنضج في عتمة تامة. ويعرفها أهل الباحة وما حولها من قرى غامد وزهران والسراة الحجازية، وهي من أقدم أنواع الخبز في تلك الجبال، وما زالت تُصنع في المهرجانات والبيوت التي تحرص على تراثها.
أذكر أنّ جدتي لم تكن تسمح لأحد أن يرفع الغطاء قبل أوانه. كانت تقول: "المقناة تستحي، إن كشفتها قبل وقتها ما تستوي". والمعنى أنّ رفع الغطاء يُخرج البخار والحرارة، فتتوقف الخبزة عن النضج ويبقى قلبها عجيناً. وهذا ليس خرافة؛ فالمقناة تعتمد على البخار المحبوس بقدر ما تعتمد على الجمر.
"المقناة تستحي، إن كشفتها قبل وقتها ما تستوي" — عبارة جدتي التي تلخص سر هذه الخبزة كله.
ما تحتاجه قبل أن توقد النار
لا تحتاج المقناة إلى مكونات كثيرة، بل إلى أدوات صحيحة وصبر. وهذه مقادير خبز المقناة لخبزة كبيرة تكفي ستة أشخاص:
كيلوغرام من دقيق البر الأسمر، ويُفضّل البر المحلي الخشن قليلاً، ويمكن خلطه بنصف كمية من الدقيق الأبيض لمن يريد خبزة أخف.
ملعقة صغيرة ونصف من الملح، أي قرابة 15 إلى 20 غراماً.
ماء فاتر يُضاف تدريجياً، ويتراوح بين ثلاثة أكواب وثلاثة ونصف بحسب نوع الدقيق.
ملعقة صغيرة من الخميرة لمن يريد خبزة أكثر انتفاخاً، وهي إضافة حديثة؛ فكثير من الجدات كنّ يصنعنها بلا خميرة، أو بقطعة من عجين الأمس المختمر.
أغصان من نبات الشث العطري، أو أوراق شجر نظيفة غير سامة، لتفرش تحت العجينة أو فوقها.
أدوات المقناة التقليدية
حجر المقناة: حجر أملس رقيق مسطح يُوضع فوق النار حتى يسخن جيداً، وهو القاع الذي تستقر عليه العجينة.
المِصحف أو الغطاء: غطاء مقعر من الفخار أو الحديد الرقيق، يُقلب فوق العجينة ليحبس البخار.
الحطب والجمر: حطب جاف يعطي جمراً كثيراً، كحطب السدر والطلح والعرعر في الجبال.
المحراك: عصا حديدية أو خشبية طويلة لتحريك الجمر وتغطية الغطاء به.
طريقة عمل خبز المقناة خطوة بخطوة
هذه الطريقة كما رأيتها بيد جدتي، مع تحويل ما كانت تقيسه بالكف والعين إلى أرقام تقريبية:
أوقد الحطب مبكراً، واتركه ساعة حتى يتحول معظمه إلى جمر متوهج، فالمقناة لا تحب اللهب بل الجمر.
ضع الحجر الأملس فوق الجمر، واتركه يسخن نصف ساعة على الأقل. وتعرف أنّه جاهز حين ترش عليه قطرات ماء فتتراقص وتتبخر فوراً.
في هذه الأثناء اعجن الدقيق مع الملح والماء الفاتر، وأضف الماء تدريجياً حتى تصير العجينة لينة طرية، ألين من عجينة الخبز العادي، لكنها لا تلتصق باليد المبللة.
اعجن عشر دقائق على الأقل، ثم غطّ العجينة واتركها ترتاح نصف ساعة، أو ساعة إن أضفت الخميرة.
بلل يديك بالماء، وشكّل العجينة قرصاً سميكاً قطره قرابة ثلاثين سنتيمتراً وسمكه بين سنتيمترين وثلاثة.
افرش أغصان الشث على الحجر الساخن، ثم ضع العجينة فوقها بسرعة.
اقلب الغطاء فوق العجينة، ثم اجرف الجمر والرماد الساخن فوق الغطاء وحوله حتى يُدفن تماماً.
أشعل ناراً خفيفة فوق الجمر إن أردت، واترك الخبزة من أربعين دقيقة إلى ساعة بحسب سمكها وقوة الجمر.
أزح الجمر بالمحراك، وارفع الغطاء بحذر، وانقر على وجه الخبزة: إن سمعت صوتاً أجوف يشبه الطرق على الخشب، فقد نضجت.
أخرجها وانفض عنها الرماد وأوراق الشث بقطعة قماش، ولفّها في قماشة نظيفة حتى لا تجف.
كيف تعرف نضج المقناة دون ساعة؟
كانت جدتي لا تملك ساعة، ومع ذلك لم تخطئ مقناة واحدة. وهذه مؤشراتها:
رائحة الخبز المحمّص تبدأ بالتسلل من حواف الغطاء بعد نصف ساعة تقريباً، وحين تتحول الرائحة من "عجين" إلى "خبز" تكون الخبزة قاربت النضج.
لون الوجه بني ذهبي مع بقع داكنة قليلة، لا أسود.
الصوت الأجوف عند النقر على الوجه والقاع.
حين تضغط الجانب بإصبعك، يرجع ولا يترك أثراً عميقاً.
لماذا يختلف طعم المقناة عن أي خبز آخر؟
يسألني بعض من يذوق خبز المقناة أول مرة: هل وضعتم فيه بهارات؟ والحقيقة أنّه لا يحوي إلا الدقيق والماء والملح. السر في ثلاثة عناصر تعمل معاً. أولها البخار المحبوس؛ فالغطاء المدفون يحوّل المساحة الصغيرة حول العجينة إلى فرن بخاري، فتنتفخ الخبزة ويبقى داخلها رطباً طرياً، بينما يتحمص وجهها ببطء. وهذا المبدأ نفسه تعتمد عليه المخابز الحديثة حين تضخ البخار في أفرانها أول الخَبز.
وثانيها الحجر؛ فالحجر يختزن الحرارة ويطلقها تدريجياً ومتساوية، فلا يحترق قاع الخبزة كما يحدث على صاج حديدي رقيق، ويتكون قاع مقرمش بلون موحد.
وثالثها الشث والدخان؛ فنبات الشث عطري تحمل أوراقه زيوتاً تتبخر بالحرارة وتلتصق بقاع الخبزة، وهذا يعطيها رائحة لا تُنسى. فضلاً عن ذلك، يتسلل قليل من الدخان عبر حواف الغطاء، فيمنح الخبزة نكهة مدخنة خفيفة.
أخطاء تجعل المقناة نيئة من الداخل أو محروقة من الخارج
حجر غير ساخن بما يكفي: تلتصق العجينة به ويبقى القاع شاحباً ولزجاً. لا تستعجل تسخين الحجر.
لهب بدل جمر: اللهب يحرق الغطاء من الخارج دون أن يوزع الحرارة، فيحترق وجه الخبزة ويبقى قلبها نيئاً.
عجينة جافة: المقناة تحتاج عجينة لينة ليتكون البخار داخلها، والعجينة الجافة تخرج خبزة صلبة كالحجر.
خبزة سميكة جداً: إن زاد السمك عن ثلاثة سنتيمترات، يحتاج قلبها وقتاً أطول بكثير، وقد يحترق الوجه قبل ذلك.
رفع الغطاء مراراً: كل رفعة تُخرج البخار وتُطيل وقت النضج.
استخدام أوراق مجهولة: لا تفرش تحت الخبز إلا أوراقاً تعرف أنّها آمنة للطعام؛ فبعض النباتات سامة أو مرة.
المقناة في مطبخ الشقة: فرن وطنجرة بدل الحجر
لا يملك كثيرون حوشاً ولا حطباً، ومع ذلك يمكنك الاقتراب كثيراً من طعم خبز المقناة بأدوات البيت. وهذه أفضل طريقتين جربتهما:
طريقة الطنجرة الحديدية في الفرن
ضع طنجرة من الحديد الزهر بغطائها في الفرن، وسخّن الفرن إلى 240 درجة مدة نصف ساعة.
أخرج الطنجرة بحذر، وافرش في قاعها ورق زبدة أو أوراق شث مجففة إن وجدتها.
ضع العجينة، وغطّ الطنجرة، وأعدها إلى الفرن مدة ثلاثين دقيقة.
ارفع الغطاء واترك الخبزة عشر دقائق إلى ربع ساعة أخرى حتى يتحمر وجهها.
هذه الطريقة تحاكي البخار المحبوس والحرارة المتساوية بدقة مدهشة، غير أنّك تفقد الدخان. ولتعويضه جزئياً، يمكنك وضع حبة فحم مشتعلة في وعاء صغير داخل الفرن المطفأ مع الخبزة بعد نضجها دقائق معدودة، مع الحرص على التهوية.
حجر البيتزا بديلاً عن حجر الجبل
إن كان لديك حجر بيتزا، فسخّنه في الفرن ساعة كاملة، وضع العجينة عليه، ثم اقلب فوقها صينية معدنية عميقة لتحبس البخار. هذه أقرب طريقة إلى المقناة الأصلية من حيث القاع المقرمش.
الفتة الحجازية: حين تُفتّ المقناة وهي تتنفس
إن كانت المقناة هي البطلة، فإنّ الفتة الحجازية هي خاتمة المشهد. كانت جدتي لا تترك الخبزة تبرد؛ بل تفتّها بيدها وهي ساخنة يتصاعد منها البخار، لأنّ الخبز الساخن يتشرب السمن والعسل أو المرق أفضل بكثير من الخبز البارد.
فتة المقناة بالسمن والعسل
تُفتّ خبزة مقناة ساخنة في صحن خشبي أو فخاري عريض إلى قطع صغيرة بحجم لقمة، مع ترك بعض القطع أكبر قليلاً.
يُسخن ربع كوب إلى ثلث كوب من السمن البلدي حتى يذوب ويصير ساخناً دون أن يدخّن.
يُسكب السمن فوق الفتيت، ويُقلب الخبز برفق بالأصابع حتى يتوزع.
يُسكب فوقه ربع كوب إلى نصف كوب من العسل البلدي، ويفضّل عسل السدر أو السمر.
تُصنع حفرة صغيرة في وسط الصحن يُصب فيها مزيد من السمن والعسل، ويُغمس فيها الفتيت.
فتة المرق واللبن
وفي أيام الولائم كانت الفتة تُصنع بطريقة أخرى: يُفتّ الخبز ويُسقى بمرق اللحم الساخن حتى يلين، ثم يُرص فوقه اللحم المسلوق. وبعض الأسر تسقيه باللبن الرائب مع قليل من السمن، فيخرج طبقاً منعشاً يُؤكل في الصيف. والطريقة الأخيرة قريبة من فتات تعرفها بلاد الشام ومصر، غير أنّ خبز المقناة يعطيها طعماً مدخناً خاصاً.
لا تُسقِ الفتة بالمرق قبل التقديم بوقت طويل، وإلا صارت عجينة لينة بلا قوام.
العسل الجيد يتماسك قليلاً حين يُسكب على الخبز الساخن ولا يسيل كالماء.
السمن البلدي المصنوع في البيت يحتاج حفظاً في مكان بارد ومرطبان نظيف جاف؛ وإن ظهرت عليه رائحة زنخة أو عفن فلا تستعمله.
من يتبع حمية خفيفة يمكنه تقليل السمن إلى ملعقتين، والاعتماد أكثر على العسل ورائحة الخبز.
يوم المقناة في بيت جدتي: جدول لا يُكتب
لم تكن المقناة تُصنع في أي وقت. كان لها يومها وطقوسها، وغالباً ما كانت تُخبز صباح الجمعة أو حين يُنتظر ضيف عزيز. وكان اليوم يسير عندنا على ترتيب شبه ثابت، أنقله لمن يريد أن يعيش التجربة كاملة لا أن يخبز فقط:
بعد أذان الفجر مباشرة، يُوقد الحطب في الموقد الحجري خارج البيت، لأنّ الجمر يحتاج وقتاً ليكتمل.
في الأثناء تعجن الجدة العجين، وتغطيه بقطعة صوف وتضعه قرب النار ليبقى دافئاً.
يُرسل أحد الصغار لقطف أغصان الشث من السفح القريب، ويُنفض عنها الغبار.
مع شروق الشمس يُوضع الحجر على الجمر، ويبدأ الانتظار الطويل الذي تملؤه القهوة والحديث.
حين تُدفن الخبزة، يُسخن السمن ويُخرج العسل، وتُجهز الصحون الخشبية.
تخرج خبز المقناة قبل الضحى، فتُفتّ فوراً ويجتمع الجميع حول الصحن.
وكانت جدتي تقول إنّ من يأكل المقناة دون أن يشهد إيقاد نارها "ياكل نصها"، أي إنّ نصف لذتها في الانتظار ورائحة الحطب والضباب الذي ينقشع شيئاً فشيئاً عن الوادي.
المقناة بين قرى السراة: تفاصيل تختلف من بيت لبيت
ما يجمع المقناة واحد، لكن تفاصيلها تختلف بين القرى والعائلات. فبعض الجدات يضعن العجينة على الحجر مباشرة دون أوراق، ويكتفين برش الحجر بقليل من الدقيق. وبعضهن يلففن العجينة كاملة في أوراق، فتخرج الخبزة بنقوش خفيفة من عروق الأوراق على وجهها. وهناك من تضيف حبة البركة أو الشمر إلى العجين، ومن تدهن وجه الخبزة بالسمن بعد إخراجها مباشرة.
وأذكر جارة لجدتي كانت تصنع المقناة من خليط البر والذرة، فتخرج أكثر هشاشة وأحلى طعماً قليلاً. وكانت جدتي تمازحها وتقول إنّ مقناتها "مقناة الكسالى"، لأنّ الذرة تنضج أسرع. غير أنّها كانت تأكل منها بشهية واضحة في كل زيارة.
أسئلة شائعة عن خبز المقناة والفتة الحجازية
هل يمكن صنع خبز المقناة بدون خميرة؟
نعم، وهي الطريقة الأقدم؛ فالبخار المحبوس يكفي لنفخ الخبزة قليلاً، وتخرج أكثر كثافة وأقوى نكهة من المقناة المخمرة.
ما البديل عن ورق الشث؟
يمكن استخدام ورق الموز أو ورق العنب النظيف، أو ورق الزبدة ببساطة، مع إضافة غصن زعتر أو إكليل الجبل لرائحة عطرية.
كم تبقى المقناة صالحة؟
هي في أطيب حالاتها ساخنة، وتبقى يوماً ملفوفة في قماش، ويمكن تجميدها أسبوعين ثم تسخينها في فرن ساخن دقائق.
هل تصلح المقناة البائتة للفتة؟
بقايا خبز المقناة تصلح إن سُخّنت أولاً في الفرن حتى تستعيد حرارتها، ثم تُفتّ وتُسقى بالسمن والعسل وهي ساخنة.
رماد لا يزال دافئاً
حين أتذكر جدتي اليوم، لا أتذكر وجهها أولاً، بل أتذكر يديها وهما تنفضان الرماد عن خبزة المقناة، ثم تفتّانها في الصحن وتسكبان فوقها السمن الذائب، ثم تمدّان لي أول لقمة. كانت تلك اللقمة تحمل طعم الحطب والجبل والصباح البارد.
ليس خبز المقناة مجرد وصفة؛ إنّه طريقة في الصبر، في الثقة بالنار دون رؤيتها، وفي انتظار ما تخفيه العتمة. جرّبه في فناء بيتك أو في فرنك، وقدّمه فتة بالسمن والعسل لمن تحب، ثم أخبرني: هل رفعت الغطاء قبل أوانه؟

0 تعليقات