طريقة عمل السويق والمبثوثة أكلة جدات البدو المنسية


كانت جدتي تحمل في رحلات الربيع صرّة صغيرة من القماش، لا تفارق خصرها. وكلما جعنا في الطريق، فكّتها وأخرجت منها حفنة من دقيق بني ناعم، تخلطه بقليل من الماء والتمر في كفّها، وتناولنا إياه لقمة لقمة.

ذلك الدقيق كان السويق، زاد المسافر الذي عرفه العرب منذ أقدم العصور. وفي هذا المقال أحكي لك كيف كانت جدات البدو يصنعنه، وكيف كنّ يحوّلنه مع أخته المبثوثة إلى وجبة تشبع وتدفئ وتبقى صالحة أسابيع.



زاد الطريق الذي لا يفسد: ما هو السويق؟

السويق في أبسط تعريفه هو حبوب محمّصة ثم مطحونة، غالباً من الشعير، وأحياناً من القمح. والفرق بينه وبين الدقيق العادي أنّ الحبوب تُحمّص قبل الطحن حتى تنضج، فيصير الدقيق الناتج جاهزاً للأكل دون طبخ. يكفي أن تخلطه بالماء أو الحليب أو السمن، فيصبح طعاماً.

وهذا بالضبط ما جعله رفيق البدو في ترحالهم. لا يحتاج ناراً ولا قدراً، ولا يفسد بالحر، وخفيف الحمل، وتكفي حفنة منه لسد الجوع ساعات. وقد ورد ذكر السويق في كتب اللغة والسيرة بوصفه طعام المسافرين والغزاة، وهذا يدل على قِدمه في الجزيرة العربية.

"السويق زاد اللي ما عنده وقت يطبخ" — هكذا كانت جدتي تصفه، أي إنّه طعام من لا يملك وقتاً للطبخ.

السويق والمبثوثة: أختان من بيت واحد

أما المبثوثة فهي أكلة قريبة منه في الروح، تختلف أسماؤها وتفاصيلها بين المناطق. عند جدتي كانت تعني الدقيق المحمّص في السمن حتى يتفتت ويصير حبيبات صغيرة، ثم يُخلط بالتمر المهروس أو السكر، فيخرج طعاماً مبثوثاً متناثراً غير متماسك، ومن هنا اسمه. وفي الجنوب يُطلق "المبثوث" على خبز يُفتّ ويُحمّص بالسمن والعسل، وفي مناطق أخرى تُسمى الأكلة القريبة منها "البثيثة" وتُصنع من التمر والدقيق والسمن. والقاسم المشترك بينها كلها: دقيق وسمن وحلاوة، وقِوام متفتت يؤكل بالأصابع أو الملعقة.

من الحقل إلى الرحى: كيف تُجهّز حبوب السويق؟

لم تكن جدتي تشتري الشعير مطحوناً أبداً. كانت تقول إنّ السويق يبدأ من اختيار الحبة، فالشعير الممتلئ الأملس يعطي سويقاً حلو الطعم، والشعير الضامر يعطي سويقاً مرّاً قليل البركة.

طريقة عمل السويق من الشعير خطوة بخطوة

هذه طريقة جدتي في صنع سويق الشعير كما رأيتها عشرات المرات، مع تحويل مقاديرها إلى ما يناسب مطبخ اليوم:

  1. تنقية الحبوب: يُفرش كيلوغرام من الشعير على سفرة الخوص، وتُزال منه الحصى والقش والحبوب السوداء.

  2. الغسل والتجفيف: يُغسل الشعير بالماء مرة أو مرتين، ثم يُفرش في الشمس حتى يجف تماماً، وهذا يستغرق نصف يوم في الصيف.

  3. التحميص: يُوضع الشعير في صاج أو قدر حديدي عريض على نار متوسطة، ويُقلّب باستمرار بمغرفة خشبية.

  4. مراقبة اللون: يستمر التحميص حتى يصير لون الحبة بنياً ذهبياً، وتبدأ بعض الحبات بالطقطقة والانتفاخ، وتفوح رائحة تشبه رائحة الخبز والقهوة معاً. يستغرق ذلك من عشرين إلى ثلاثين دقيقة.

  5. التبريد: يُفرش الشعير المحمّص على قطعة قماش حتى يبرد تماماً.

  6. الطحن: يُطحن في الرحى الحجرية، أو في مطحنة القهوة الكهربائية على دفعات صغيرة، حتى يصير دقيقاً ناعماً.

  7. النخل: يُنخل الدقيق، ويُعاد ما خشن منه إلى الطحن، أو يُحتفظ به لصنع العصيدة.

وأذكر صوت الرحى في بيت جدتي قبل الفجر، ذلك الصوت الخشن الرتيب كأنّه تنفس البيت. كانت تجلس على الأرض ورجلاها ممدودتان حول الرحى، تدير الحجر العلوي بيد وتلقم الحب في الفتحة باليد الأخرى، وتغني بصوت خافت لا أفهم كلماته. وكان الدقيق يتساقط من حواف الرحى على قطعة جلد مفروشة تحتها.

لماذا التحميص هو السر كله؟

قد يسأل سائل: لماذا لا نطحن الشعير نيئاً ونخلطه بالماء؟ والجواب أنّ النشا في الحبوب النيئة صعب الهضم، ومذاقه نيء، ويحمل أحياناً ميكروبات من الحقل. أما التحميص فيقوم بثلاثة أمور مهمة:

  • ينضج النشا جزئياً فيصير أسهل هضماً، ولهذا يؤكل السويق دون طبخ.

  • يطرد الرطوبة من الحبوب، فلا تتعفن ولا يصيبها السوس بسرعة، وهذا سر طول بقائه.

  • يُحدث ما يُعرف بتفاعل ميلارد بين السكريات والبروتينات، فتنشأ النكهة المحمّصة والرائحة الشهية واللون البني.

غير أنّ التحميص الزائد يحرق الحبوب ويجعل السويق مرّاً. والمؤشر الحسي الذي كانت جدتي تعتمد عليه هو كسر حبة بين أسنانها: إن انكسرت بسهولة وكان داخلها أبيض مائلاً للذهبي، فالتحميص كافٍ. وإن كان داخلها بنياً غامقاً، فقد تجاوزت الحد.

كيف كانت الجدات يأكلن السويق؟

لم يكن السويق طعاماً واحداً، بل مادة خام تتحول إلى عدة أطباق بحسب الحال والوقت:

  • سويق الماء: يُخلط بالماء البارد حتى يصير شراباً كثيفاً، ويُشرب في الحر أثناء السفر. وكان بعضهم يضيف إليه قليلاً من السكر أو التمر المنقوع.

  • سويق اللبن: يُخلط باللبن الرائب أو الحليب، وهو أغنى وأشبع، وكان فطور الرعاة المفضل.

  • السويق بالسمن والتمر: يُعجن بالسمن الدافئ والتمر المهروس حتى يصير كتلاً صغيرة تُحمل في الصرّة، وهي أقرب شيء إلى "ألواح الطاقة" الحديثة.

  • سويق العسل: للمرضى والنفساء، يُخلط بالعسل والسمن ويُعطى ملعقة ملعقة.

المبثوثة: حين يلتقي الدقيق بالسمن والتمر

إن كان السويق زاد الطريق، فإنّ المبثوثة كانت طعام البيت في أيام البرد. أذكر أنّ جدتي كانت تصنعها صباح الأيام الماطرة، حين يتجمع الأحفاد حول النار، فيعبق البيت برائحة السمن والدقيق المحمّص.

مقادير المبثوثة لستة أشخاص

  1. كوبان من الدقيق الأسمر (البر)، أو كوبان من دقيق السويق الجاهز.

  2. نصف كوب من السمن البلدي، ويمكن زيادته قليلاً لمن يحب الطعم الغني.

  3. كوب من التمر المنزوع النوى، ويُفضّل التمر الطري كالسكري أو الخلاص.

  4. ربع ملعقة صغيرة من الهيل المطحون.

  5. رشة صغيرة من الملح.

  6. ملعقتان كبيرتان من العسل أو السكر حسب الرغبة، وهذا اختياري.

طريقة عمل المبثوثة على طريقة جدات البدو

  1. يُحمّص الدقيق وحده في قدر عريض على نار هادئة، مع التقليب المستمر، حتى يتغير لونه إلى البني الفاتح وتفوح رائحته. يستغرق ذلك قرابة ربع ساعة. أما إن كان الدقيق سويقاً محمّصاً أصلاً، فيكفي تسخينه دقيقتين.

  2. يُضاف السمن تدريجياً، ويُقلّب الدقيق حتى يتشرب السمن ويبدأ بالتكتل في حبيبات صغيرة.

  3. في قدر آخر، يُسخن التمر مع ملعقتين من السمن وقليل من الماء حتى يلين ويصير عجينة.

  4. يُضاف التمر المهروس إلى الدقيق، ويُفرك الخليط بالمغرفة أو باليد (بعد أن يبرد قليلاً) حتى يتوزع التمر في الدقيق ويصير الخليط حبيبات متفتتة.

  5. يُضاف الهيل والملح، ويُذاق الخليط، ثم يُضاف العسل إن احتاج.

  6. يُقدم دافئاً في صحن عريض، ويُسكب فوقه قليل من السمن الساخن.

والمؤشر الذي يدلك على نجاحها: حين تضغط حفنة منها في يدك، تتماسك قليلاً ثم تتفتت حين تفتح أصابعك. إن بقيت متماسكة كالعجين فقد أكثرت التمر أو الماء، وإن بقيت ناعمة كالتراب فتحتاج إلى سمن أكثر.

أخطاء تحوّل السويق والمبثوثة إلى طعام بلا روح

جرّبت مرات كثيرة أن أعيد صنع هذه الأكلات، وأخطأت أكثر من مرة قبل أن أفهم ما كانت جدتي تفعله دون أن تشرحه. وهذه أبرز الأخطاء:

  • التحميص على نار عالية: يحرق الطبقة الخارجية للحبة ويترك الداخل نيئاً، فيخرج السويق مراً ونيئاً في آن واحد.

  • طحن الحبوب وهي ساخنة: الحرارة والرطوبة المتبقية تجعل الدقيق يتكتل في المطحنة ويتعفن لاحقاً.

  • إضافة السمن دفعة واحدة إلى المبثوثة: يتكتل الدقيق في كرات كبيرة بدل أن يصير حبيبات متفرقة.

  • استعمال الزيت بدل السمن: يمكن ذلك عند الضرورة، لكن الزيت لا يعطي تلك الرائحة ولا ذلك القوام، فالسمن جزء من هوية الأكلة.

  • الإكثار من السكر: التمر وحده يكفي غالباً، والسكر الزائد يطغى على طعم الحبوب المحمّصة.

حفظ السويق وسلامته: ما قالته الجدات وما يقوله العلم

كانت جدتي تحفظ السويق في قربة جلدية جافة أو في جرة فخارية مغطاة بقطعة قماش ومربوطة بخيط، وتضعها في زاوية مظللة من البيت. وكان يبقى صالحاً أشهراً دون أن يتغير، لأنّ التحميص طرد الرطوبة منه.

واليوم يمكنك حفظه في مرطبان زجاجي محكم الإغلاق، في مكان جاف بعيد عن الحرارة والضوء، فيبقى من ثلاثة إلى ستة أشهر. وإن كنت تعيش في مكان رطب، فضعه في الثلاجة أو الفريزر لإطالة عمره. أما المبثوثة فلأنّها تحتوي على سمن وتمر، فالأفضل أن تؤكل خلال يومين أو ثلاثة، وإن زادت فاحفظها في علبة محكمة في الثلاجة، وسخّنها قبل التقديم في مقلاة جافة.

علامات فساد السويق

  • رائحة زنخة تشبه رائحة الزيت القديم، وهذا يعني أنّ الدهون الطبيعية في الحبوب قد تأكسدت.

  • ظهور خيوط رفيعة أو كتل صغيرة، وهي علامة على السوس أو العث.

  • تغير اللون إلى الأخضر أو ظهور بقع، وهذا علامة عفن يستوجب التخلص منه فوراً.

الاختلافات بين المناطق: سويق واحد وأسماء كثيرة

ما يثير الدهشة أنّ فكرة الحبوب المحمّصة المطحونة موجودة في ثقافات كثيرة حول العالم، غير أنّ لكل منطقة عربية بصمتها. ففي نجد والشمال يغلب سويق الشعير، ويُخلط باللبن أو الماء. وفي الحجاز كان سويق القمح أكثر شيوعاً، وكانت بعض الأسر تضيف إليه حبة البركة المحمّصة. أما في الجنوب واليمن فتُصنع منه أطباق مع العسل والسمن البلدي، ويُقدم للنفساء خصوصاً لاعتقادهم بأنّه يقوّي البدن.

وكذلك المبثوثة؛ فبعض الجدات يصنعنها من الخبز الجاف المفتوت بدل الدقيق، فيحمّصنه بالسمن ثم يضفن العسل أو التمر، وهي طريقة ذكية للاستفادة من الخبز البائت. وبعضهن يضفن الحليب في آخر الطبخ لتصير أطرى. وأذكر جارة لنا من الجنوب كانت تضيف إليها حبات السمسم المحمّصة، فتخرج بنكهة لم أنسها.

قيمة غذائية تشرح لماذا كانت أكلات الجدات تشبع

الشعير غني بالألياف القابلة للذوبان، خاصة البيتا جلوكان، وهي ألياف تبطئ امتصاص السكر وتمنح إحساساً بالشبع مدة طويلة. وحين يُضاف إليه التمر بسكرياته السريعة والسمن بدهونه، تصير الوجبة مزيجاً من طاقة سريعة وطاقة بطيئة، وهذا تماماً ما يحتاجه من يمشي خلف الإبل من الفجر إلى العصر. غير أنّ من يعيش حياة قليلة الحركة اليوم يحسن به أن يقلل السمن والتمر، ويكتفي بكمية صغيرة.

السويق في مطبخك الحديث: بدائل واختصارات

لا يملك أحد منا رحى اليوم، ولا حاجة إلى ذلك، فـأكلات البدو القديمة مرنة بطبعها. هذه بدائل عملية مع ما تكسبه وما تخسره فيها:

  • الفرن بدل الصاج: افرد الشعير على صينية واحمصه في فرن حرارته 180 درجة مدة 25 إلى 35 دقيقة، مع التقليب كل عشر دقائق. تحصل على تحميص متساوٍ، لكنك تفقد قليلاً من النكهة الدخانية.

  • مطحنة القهوة بدل الرحى: تعطي دقيقاً أنعم وأسرع، غير أنّ الرحى الحجرية كانت تطحن ببطء فلا ترفع حرارة الدقيق، فيحافظ على رائحته أكثر.

  • دقيق الشعير الجاهز: يمكن تحميصه في مقلاة جافة حتى يتغير لونه، وهو حل سريع وإن كان الطعم أقل عمقاً من تحميص الحبة كاملة.

  • الشوفان المحمّص: بديل قريب لمن لا يجد الشعير، ويعطي مبثوثة لذيذة مختلفة الطابع.

أسئلة شائعة عن السويق والمبثوثة

ما الفرق بين السويق والدقيق العادي؟

السويق يُصنع من حبوب محمّصة قبل الطحن، فيصير جاهزاً للأكل دون طبخ، أما الدقيق العادي فمن حبوب نيئة ويحتاج إلى خَبز أو طبخ.

هل يمكن صنع السويق من القمح بدل الشعير؟

نعم، والطريقة نفسها، غير أنّ سويق القمح أحلى طعماً وأنعم قواماً، بينما سويق الشعير أغنى بالألياف وأقوى نكهة.

هل المبثوثة مناسبة للأطفال؟

نعم، وكانت الجدات يطعمنها للصغار في الشتاء، لكن يُفضّل تقليل السمن والاكتفاء بالتمر للتحلية، مع تجنب العسل للرضع دون السنة.

كم يبقى السويق صالحاً؟

من ثلاثة إلى ستة أشهر في مرطبان محكم في مكان جاف، وأطول من ذلك في الفريزر.

حفنة من السويق في جيب الذاكرة

ما زلت حين أمرّ بمحل عطارة وأشم رائحة الشعير المحمّص، أعود طفلاً في رحلة ربيع، وجدتي تفك صرّتها وتملأ كفي. لم يكن السويق مجرد طعام؛ كان حكمة جيل عرف كيف يحمل غذاءه معه في أقسى الظروف، دون ثلاجة ولا نار.

جرّب أن تحمّص حفنة من الشعير هذا الأسبوع، واصنع منها المبثوثة لأطفالك في صباح بارد، واحكِ لهم عن الجدات اللواتي عبرن الصحراء بصرّة صغيرة عند الخصر. من يدري، لعلهم يحملون الوصفة إلى أحفادهم كما حملتُها أنا.

إرسال تعليق

0 تعليقات