كانت جدتي تقول إنّ العزيمة تبدأ قبل أن يصل الضيف بيومين، حين يُسأل الجار عن قدره الكبير، ويُرسل الصغار لجمع الحطب، وتُنقّى أكياس الرز على سفرة الخوص في الحوش.
في هذا المقال أجمع ما حفظته من عزايم زمان على لسان جدتي وجارات الحي: كيف كنّ يطبخن لخمسين شخصاً وأكثر بقدر واحد، وبأي مقادير، ولماذا كانت تلك الولائم تنجح مع أنّ أحداً لم يحمل ميزاناً ولا ساعة.
حين كانت العزيمة شأن الحارة كلها
لم تكن الوليمة في ذلك الزمن مسؤولية بيت واحد. إذا نوى رجل أن يعزم أهل قريته على ذبيحة، فإنّ الخبر يسري بين البيوت قبل أن يُعلن، فتأتي هذه بصينية، وتلك بمنخل، وثالثة بقربة ماء بارد. كانت جدتي تسمي ذلك "الفزعة"، وتقول: "العزيمة اللي ما فيها فزعة، ما فيها بركة"؛ أي إنّ الوليمة التي لا يتعاون عليها الناس تفقد روحها قبل طعمها.
وأذكر وأنا صغير أنّ أول ما كان يُستعار هو القدر الكبير. في حيّنا لم يكن يملكه إلا بيتان أو ثلاثة، وكان له اسم يُعرف به، فيقال: "قدر أم فلان". قدرٌ من النحاس المبيّض أو الألمنيوم الثقيل، يتسع لذبيحة كاملة مقطعة ومعها الرز، ويحتاج رجلين لرفعه عن النار. وكان من الأدب أن يُعاد القدر مغسولاً وفيه شيء من الطعام، فلا يرجع فارغاً أبداً.
"القدر ما يرجع لأهله فاضي، ولو بحفنة تمر" — هكذا كانت جدتي تذكّر كل من استعار منها شيئاً.
قدر واحد لخمسين ضيفاً: كيف تتسع الوليمة للجميع؟
السؤال الذي يطرحه كل من يسمع هذه السواليف: كيف يكفي قدر واحد لخمسين شخصاً؟ والجواب أنّ حجم القدر في عزايم زمان كان مختلفاً عما نعرفه اليوم. القدر الذي تتحدث عنه الجدات كان يسع ما بين ستين وثمانين لتراً، وقطره يقارب ذراعاً ونصفاً، ويُوضع على ثلاث حجارة كبيرة أو على منصب حديدي فوق حفرة الحطب.
ثم إنّ طريقة الأكل نفسها كانت تساعد: الناس يأكلون جماعات حول صوانٍ كبيرة، كل صينية لسبعة أو ثمانية رجال، فلا يُهدر طعام في أطباق فردية، ولا يأخذ أحد أكثر من حاجته أمام الآخرين. خمسون ضيفاً تعني عادة ست صوانٍ أو سبعاً، فضلاً عن صينية النساء وصينية الأطفال.
قدر الوليمة ومواصفاته عند الجدات
كانت الجدات يفضّلن قدر الوليمة السميك القاع، لأنّ القاع الرقيق يحرق الرز قبل أن ينضج أعلاه. وكنّ يفحصنه قبل الطبخ بطرقة من إصبع الإبهام؛ فالصوت المكتوم يعني قاعاً سميكاً، والرنين الحاد يعني أنّه رقيق ويحتاج حذراً في الحطب. ومن التفاصيل التي لا يعرفها إلا من عاشها أنّ بعضهن كنّ يدهنّ ظاهر القدر بطبقة من الطين المخلوط بالرماد قبل وضعه على النار، حتى لا يسودّ من الدخان ويسهل غسله بعد ذلك.
مقادير لا تُكتب: حساب الرز واللحم بالكفّ والعين
لم تكن جدتي تقول "كيلو" أبداً. كانت تقول "صاع" و"مدّ" و"حفنة". ومع ذلك، حين حاولت مع أمي أن نحوّل كلامها إلى أرقام، وجدنا أنّها كانت دقيقة بشكل مدهش. وهذه مقادير الرز لخمسين شخص كما استخلصناها من طريقتها:
الرز: بين ثمانية وعشرة كيلوغرامات من الرز الطويل الحبة، أي ما يقارب 180 إلى 200 غرام للشخص قبل الطبخ، لأنّ الرز في الولائم هو الأساس والناس يأكلون منه كثيراً.
اللحم: ذبيحتان من الضأن متوسطتا الحجم، أو ذبيحة كبيرة مع نصف أخرى، أي ما يقارب 400 إلى 450 غراماً من اللحم بالعظم لكل شخص.
البصل: من خمسة إلى ستة كيلوغرامات، يُقطّع شرائح ويُحمّر في السمن حتى يذبل.
الطماطم: ثلاثة إلى أربعة كيلوغرامات، مفرومة أو مبشورة.
السمن البلدي: كيلوغرام تقريباً، يُضاف نصفه في التحمير ونصفه فوق الرز في آخر الطبخ.
البهارات: كوب كبير من خلطة البيت (فلفل أسود، كمون، كزبرة ناشفة، هيل، قرنفل، قرفة، ليمون أسود)، مع أعواد القرفة وحبات الهيل الكاملة.
الملح: قرابة كوب إلى كوب وربع، يُضاف على مراحل مع التذوق.
الماء: يُقاس بالعين لا بالكوب، وسأشرح الطريقة بعد قليل.
أما قاعدة جدتي في الرز فكانت: "لكل ضيف قبضة ونص، وللقدر قبضتين زيادة". أي إنّها تحسب قبضة ونصفاً لكل ضيف، ثم تزيد قبضتين للطوارئ؛ فالعزيمة التي ينقص فيها الطعام عيبٌ لا يُنسى، أما الزيادة فتُوزّع على الجيران والمحتاجين.
قياس الماء بعقلة الإصبع
حين يُصبّ الرز فوق المرق، كانت الجدات يضعن إصبع السبابة عمودياً حتى يلامس سطح الرز، ثم ينظرن إلى أين يصل الماء. إذا غطّى الماء عقلة الإصبع الأولى تقريباً، فالمقدار صحيح للرز الطويل. هذه الطريقة ليست خرافة؛ فهي تقيس ارتفاع الماء فوق الرز لا حجمه الكلي، ولهذا تصلح لقدر صغير أو كبير على حد سواء، بينما قاعدة "كوبين ماء لكل كوب رز" تفشل في القدور الضخمة لأنّ التبخر فيها أقل نسبياً من مساحة السطح.
كبسة العزايم: الترتيب الذي لا يتغير
لكل منطقة طبخة ولائمها؛ ففي نجد الكبسة والمفطّح، وفي الحجاز الرز البخاري أو الزربيان، وفي الجنوب الحنيذ والمندي، وعند أهل الشام المنسف أو الأوزي. غير أنّ كبسة العزايم كما كانت جدتي تطبخها تسير على ترتيب ثابت، أنقله كما رأيته:
يُشعل الحطب قبل الفجر، ويُترك حتى يصير جمراً قوياً مع بعض اللهب، ولا يُوضع القدر على نار مشتعلة بعنف في البداية.
يُذاب نصف السمن ويُحمّر البصل حتى يصير ذهبياً، مع التقليب بمغرفة خشبية طويلة كالمجداف.
تُضاف قطع اللحم وتُقلّب حتى يتغير لونها من كل الجهات، ثم البهارات الكاملة والمطحونة.
تُضاف الطماطم ويُترك الخليط حتى يخرج السمن على الوجه.
يُصب الماء حتى يغمر اللحم بشبر، ويُترك ليغلي، مع إزالة الزفرة (الرغوة) مرات متتالية.
يُطهى اللحم ساعتين إلى ثلاث بحسب عمر الذبيحة، حتى يلين العظم عند المفصل.
يُخرج اللحم إلى صوانٍ ويُغطى، ثم يُقاس المرق ويُضاف الملح.
يُصب الرز المغسول والمنقوع نصف ساعة، ويُقاس الماء بالإصبع.
حين يتشرب الرز معظم الماء، يُسحب الجمر من تحت القدر ويُغطّى بقطعة قماش ثم الغطاء، ويُترك على نار هادئة حتى ينضج.
وفي المرحلة الأخيرة كان يُعاد اللحم فوق الرز ليسخن، أو يُحمّر على جمر جانبي حتى تتحمص أطرافه، ثم يُرص فوق الصواني.
الحطب والنار: سرّ الطعم الذي نفتقده اليوم
إذا سألتني ما الذي يجعل طعم عزايم زمان لا يتكرر، سأقول لك: الحطب. رائحة السمر والأرطى والغضا كانت تتسلل إلى الطعام بطبقة خفيفة من الدخان، خاصة حين يُفتح الغطاء للتقليب. والعلم يفسر ذلك؛ فالدخان يحمل مركبات عطرية تذوب في الدهون، والسمن سطح مثالي لالتقاطها، ولهذا كانت كبسة الحطب "تشمّ" قبل أن تُذاق.
ثم إنّ حرارة الحطب غير منتظمة، وهذا ما تستغله الجدات ببراعة. كانت جدتي تسحب الجمر إلى جهة واحدة من القدر حين تريد غلياناً هادئاً، وتنشره تحته كله حين تريد فوراناً. وكانت تقرأ النار بصوتها: "إذا صفّرت الحطبة، النار حامية"؛ أي إنّ صفير الخشب الرطب وهو يحترق علامة على حرارة شديدة تستوجب الحذر.
نار العزيمة: متى تشتد ومتى تهدأ؟
نار قوية في مرحلة تحمير البصل واللحم، لكنها ليست لهباً يلعق جوانب القدر.
نار متوسطة ثابتة في مرحلة سلق اللحم، مع إضافة الحطب تدريجياً قطعة قطعة.
جمر هادئ بلا لهب في مرحلة نضج الرز، وإلا احترق القاع وبقي الأعلى نيئاً.
بعض الجدات يضعن حجراً مسطحاً أو صاجاً بين القدر والجمر في المرحلة الأخيرة لتوزيع الحرارة.
ما لا تحكيه الصور: أدوار النساء خلف الستارة
الصور القديمة التي نراها للولائم تُظهر الرجال جالسين حول الصواني، لكنها لا تُظهر المطبخ الخلفي الذي كان يشتعل منذ الفجر. هناك كانت النساء يوزعن الأدوار بلا اجتماع ولا ورقة: واحدة للبصل، وأخرى لتنقية الرز من الحصى، وثالثة لتجهيز السلطة واللبن، ورابعة للخبز إن كانت الوليمة تحتاج خبزاً، وكبيرتهن تمسك المغرفة ولا تتركها لأحد.
وأذكر مرة أنّ جارتنا الشابة أرادت أن تساعد في تقليب القدر، فأمسكت جدتي يدها بلطف وقالت: "المغرفة لها صاحبة". لم يكن ذلك تكبراً، بل لأنّ من يقلّب يعرف متى يتوقف، ومتى يضيف الملح، وكيف يحافظ على حبات الرز من التكسر. تعدد الأيدي على القدر الواحد كان يفسد الطبخة، وهذه حكمة يغفل عنها كثيرون اليوم في ولائمهم.
سواليف الجدات عن الضيف المفاجئ
من أطرف سواليف الجدات أنّ عدد الضيوف لم يكن مضموناً أبداً. قد يُعزم ثلاثون فيأتي خمسون، لأنّ كل ضيف قد يصطحب معه من نزل عنده. ولهذا كانت الجدات يطبخن دائماً بزيادة، ويحتفظن بقدر صغير من المرق جانباً، فإذا جاء ضيوف زائدون، أُضيف المرق إلى قدر جديد من الرز على عجل، وقُدّم مع ما تبقى من اللحم. وكانت جدتي تسمي هذا "رز الزيادة"، وتقول إنّه ألذ من الأصل لأنّه يأخذ خلاصة المرق.
أخطاء تفسد الولائم الكبيرة اليوم
حين يحاول أحدنا اليوم أن يطبخ لخمسين شخصاً في البيت، يقع غالباً في أخطاء كانت الجدات يتجنبنها بالفطرة. وهذه أبرزها:
مضاعفة الوصفة الصغيرة حسابياً: من يضرب وصفة ستة أشخاص في ثمانية، سيجد الملح زائداً والماء زائداً، لأنّ التبخر في القدر الكبير لا يزيد بالنسبة نفسها. الأفضل أن تزيد الملح والماء تدريجياً مع التذوق والقياس بالإصبع.
التقليب المتكرر للرز: الرز في القدر الكبير ثقيل، وكل تقليب يكسر الحبات ويحولها إلى عجينة. الجدات يقلّبن مرة واحدة فقط بعد صب الرز، ثم يتركنه.
البدء بنار شديدة: القاع يحترق في الدقائق الأولى إذا كانت النار قوية والقدر ممتلئاً.
إهمال نقع الرز: الرز غير المنقوع يحتاج ماء أكثر ووقتاً أطول، فتتفاوت درجة نضجه بين الأعلى والأسفل.
الاعتماد على شخص واحد: الوليمة الكبيرة تحتاج توزيع أدوار واضح، وإلا تأخر كل شيء.
تنبيه صحي لا بد منه
في الماضي كان الطعام يُؤكل فور تجهيزه، وما يتبقى يوزع على الجيران في اليوم نفسه. أما اليوم فكثيرون يطبخون قبل الوليمة بساعات طويلة. والرز المطبوخ واللحم إذا تُركا في درجة حرارة الغرفة أكثر من ساعتين تتكاثر فيهما البكتيريا، خاصة في الصيف. لذلك إن طبختَ مبكراً، فأبقِ الطعام ساخناً على نار هادئة جداً، أو برّد ما يزيد بسرعة بتوزيعه في أوانٍ مسطحة ثم ضعه في الثلاجة، ولا تُعد تسخين الرز أكثر من مرة واحدة.
طبخ الولائم الكبيرة بأدوات اليوم: ما نربحه وما نخسره
لا يملك أكثرنا اليوم حوشاً ولا حطباً، ومع ذلك يمكن الاقتراب من روح طبخ الولائم الكبيرة القديم بأدوات حديثة، مع إدراك ما سنفقده في الطريق:
موقد الغاز الأرضي (الطباخ الخارجي): يمنح حرارة قوية وثابتة ويناسب القدور الكبيرة، غير أنّه لا يعطي رائحة الدخان. يمكن تعويض ذلك جزئياً بطريقة "التدخين" المعروفة: فحمة مشتعلة في وعاء صغير فوق الرز، يُسكب عليها قليل من السمن ثم يُغطى القدر دقائق.
طنجرة الضغط الكبيرة: تختصر وقت سلق اللحم إلى النصف تقريباً، لكنها لا تتسع لذبيحة كاملة، فيُسلق اللحم على دفعات ثم يُجمع المرق في قدر واحد للرز.
الفرن: يصلح لتحمير اللحم بعد السلق بدل الجمر، ويعطي سطحاً مقرمشاً جميلاً، لكن تحمير الجمر يترك نكهة لا يصل إليها الفرن.
المطابخ الجاهزة ومطاعم الولائم: توفر الجهد كله، لكنها تسلب الوليمة أجمل ما فيها: التجمع حول القدر قبل التجمع حول الصينية.
التقديم وآداب السفرة كما حفظتها الجدات
لم يكن تقديم الطعام في عزايم زمان عشوائياً. كان الرز يُغرف في الصواني على شكل تلة، ثم يُرص اللحم فوقه بحيث يكون الرأس أو الكتف في المنتصف لصينية كبير القوم. وكانت الجدات يرششن فوق الرز البصل المحمر أو الصنوبر واللوز المحمص إن توفر، ويضعن حول الصينية الليمون والفلفل الأخضر.
ومن الآداب التي ما زلت أذكرها:
يبدأ صاحب البيت بالدعوة إلى الطعام، ولا يأكل حتى يطمئن أنّ الضيوف جلسوا.
يقوم أهل البيت بتقطيع اللحم للضيوف ووضعه أمامهم، ولا يمد الضيف يده إلى القطع البعيدة.
تُقدم صينية النساء بالمقدار نفسه أو أكثر، وكانت جدتي تحرص على أن تكون صينيتهن "أعدل" من صينية الرجال.
بعد الأكل تُقدم القهوة والتمر، ثم الشاي، ويُطيّب الضيوف بالبخور قبل انصرافهم.
ما يتبقى يوزع فوراً على الجيران والعمال والفقراء، ولا يُرمى منه شيء.
"الأكل اللي يرجع للقدر ما فيه خير" — كانت جدتي تقصد أنّ الطعام الذي يعود بعد الوليمة يجب أن يخرج في اليوم نفسه لمن يحتاجه.
اختلاف عزايم زمان بين المناطق
لم تكن الولائم متشابهة في كل مكان. ففي البادية كانت الذبيحة تُطبخ في قدر مكشوف على الحطب وتُقدم فوق خبز الشراك أو الرز، مع الإكثار من السمن. وفي القرى الزراعية كانت الولائم تعتمد أكثر على القمح؛ فالجريش والقرصان والمرقوق كانت تُطبخ بكميات كبيرة إلى جانب اللحم. أما في المدن الساحلية فكان السمك يدخل الولائم أحياناً، مطبوخاً مع الرز في صيادية كبيرة.
وفي الجنوب كانت الولائم تُطبخ في حفر أرضية، حيث يُلف اللحم ويُدفن فوق الجمر ساعات طويلة، فيخرج طرياً ينفصل عن العظم بلمسة. وهذه الطريقة كانت تحل مشكلة القدر الواحد تماماً، لأنّ الحفرة الواحدة تتسع لأكثر من ذبيحة، ويُطبخ الرز وحده في قدر منفصل.
أسئلة شائعة عن عزايم زمان وطبخ الولائم
كم كيلو رز يكفي لخمسين شخصاً؟
بين ثمانية وعشرة كيلوغرامات من الرز النيء، أي قرابة 180 إلى 200 غرام للشخص، مع زيادة بسيطة للطوارئ إن كان عدد الضيوف غير مؤكد.
كم ذبيحة تحتاج وليمة لخمسين ضيفاً؟
ذبيحتان من الضأن المتوسط تكفيان عادة، إذ يُحسب قرابة 400 إلى 450 غراماً من اللحم بالعظم لكل شخص.
كيف أمنع احتراق الرز في القدر الكبير؟
اختر قدراً سميك القاع، وخفف النار إلى جمر هادئ بمجرد أن يتشرب الرز معظم الماء، ولا تقلّبه بعد ذلك، وضع صاجاً بين القدر والنار إن أمكن.
هل يمكن طبخ الوليمة قبلها بيوم؟
يمكن سلق اللحم وتجهيز المرق قبلها بيوم مع حفظه في الثلاجة فور تبريده، أما الرز فالأفضل أن يُطبخ يوم الوليمة نفسه لأنّه يفقد قوامه وسلامته بإعادة التسخين.
ما بقي من عزايم زمان فينا
ماتت جدتي وبقي قدرها الكبير في مخزن البيت، يُخرج مرة أو مرتين في السنة حين يجتمع الأهل في العيد. وفي كل مرة نفتقد شيئاً لا يُطبخ: صوتها وهي توزع الأدوار، وضحكة الجارات حول البصل، ورائحة الحطب التي تبقى في الثياب إلى المساء.
لم تكن عزايم زمان مجرد طعام كثير في قدر كبير؛ كانت درساً في التعاون والكرم والتقدير الدقيق بلا ورق ولا ميزان. فإن عزمت يوماً خمسين ضيفاً، فاستعر قدر جارك، واقسم الأدوار على أهلك، وقس الماء بإصبعك، واترك في القدر ما يكفي لمن يطرق الباب متأخراً. ثم أخبرني: هل وجدت في طبختك شيئاً من طعم تلك الأيام؟

0 تعليقات