أدوات المطبخ القديم التي كانت تستخدمها الجدات ومعانيها


في زاوية بيت جدتي كان هناك رفّ خشبي لا يُسمح لنا بالعبث به. عليه مهباش منقوش، ودلّة نحاسية سوّدها الدخان، ومدقّة حجرية ناعمة من كثرة الاستعمال، ومِغرفة من خشب المشمش. كانت تقول: "كل وحدة من هذي لها حكاية، واللي يضيّعها يضيّع الحكاية".

في هذا المقال أفتح لك ذلك الرفّ. سأعرّفك إلى أدوات المطبخ القديم التي عاشت بها الجدات في الخليج والشام واليمن ومصر، وما كانت تعنيه لهن، ولماذا ما زال بعضها يتفوّق على ما نشتريه اليوم.



ليست مجرد أوانٍ: كيف كانت الأداة جزءاً من البيت والهوية

لم تكن الجدة تشتري أدواتها من متجر ثم ترميها بعد سنتين. كانت الأداة تأتي مع جهاز العروس، أو تُورَث من الأم والحماة، أو يصنعها حدّاد القرية أو نجّارها أو فخّارها بطلب خاص. ولهذا كانت تحمل اسم صاحبتها أحياناً، وتُصلَح إذا انكسرت بدل أن تُستبدل. القِدر النحاسي كان يُعاد "تبييضه" بالقصدير كل عام أو عامين عند "المبيّض" الذي يطوف الأحياء، والمهباش يُنقش عليه اسم العائلة، والرحى تُنقر حين تنعم أسطحها.

هذه العلاقة الطويلة بين المرأة وأداتها صنعت خبرة لا تُكتب: الجدة تعرف أنّ قِدرها يحرق من الجهة اليسرى، وأنّ رحاها تطحن أنعم إذا شُدّت العصا قليلاً، وأنّ تنورها يحتاج حطباً أكثر في أيام الريح.

أدوات الطحن والدقّ: صوت الصباح في كل بيت

الرحى الحجرية

الرحى حجران مستديران متطابقان، الأسفل ثابت والأعلى يدور حوله بمقبض خشبي، وفي وسط الأعلى ثقب تُلقى فيه الحبوب. كانت الجدات يجلسن على الأرض ويدرن الرحى ساعات، وكثيراً ما كانت امرأتان تتقابلان وتديرانها معاً وهما تغنّيان "أغاني الرحى" التي تخفّف التعب وتضبط الإيقاع.

ما يميّز طحين الرحى أنّ الحجر يسحق الحبّة ببطء ودون حرارة عالية، فيبقى الجنين والنخالة مع الطحين، وتبقى الزيوت الطبيعية في القمح. لهذا كان طحين الرحى أطيب رائحة وأغنى غذاءً، لكنه أيضاً أقصر عمراً، فكانت الجدات يطحنّ حاجة أيام قليلة فقط.

"إذا سكتت الرحى في البيت، اعرف إنه ما فيه خبز"، كانت جدتي تقولها لتصف البيت الفقير أو البيت الذي تغيب عنه ربّته.

المهباش والنجر: موسيقى القهوة

في نجد والبادية الأردنية والعراقية، يُطحن البنّ المحمّص في المهباش، وهو جذع خشبي مجوّف منحوت غالباً من خشب البطم أو الأثل أو غيرهما من الأخشاب الصلبة، ويُدقّ بعصا خشبية طويلة. وفي بعض مناطق الخليج يُستعمل النجر، وهو هاون نحاسي أو حديدي ثقيل. ودقّ المهباش لم يكن طحناً فقط، بل نداءً؛ إذ كان صوته الإيقاعي يعلن للجيران أنّ في البيت قهوة وضيافة، فيأتي من يسمعه.

وكان للدقّ أصول: إيقاع منتظم، وضربات على جوانب المهباش بين الحين والآخر لتصنع لحناً خاصاً بكل رجل أو عائلة. أما الجدات فكنّ يستعملن هاوناً أصغر للبهارات والهيل، ويحتفظن بالمهباش الكبير لقهوة الرجال والضيوف.

الجرن والمدقّة الشامية

في جبال الشام كان الجرن الحجري الكبير أداة لا غنى عنها، تُدقّ فيه اللحمة للكبة النيئة بمدقّة خشبية ثقيلة حتى تصير عجينة ناعمة. كانت جدات لبنان وسوريا يدققن اللحم ساعة أو أكثر، ويضفن إليه البرغل والبصل وقطع الثلج أو الماء البارد جداً كي لا يسخن. واليوم تقوم المفرمة الكهربائية بالمهمة في دقائق، غير أنّ كثيرين يقسمون أنّ كبة الجرن أنعم وأطيب؛ لأنّ الدقّ يفكّك الألياف دون أن يقطعها أو يسخّنها.

أواني الطبخ: قلب أدوات المطبخ القديم ومصدر نكهتها

القِدر الفخاري والبرمة الحجرية

الفخار أقدم إناء طبخ عرفه الإنسان، وفي مصر والشام واليمن كان "الطاجن" و"البرمة" و"الجرّة" حاضرة في كل بيت. وفي اليمن والحجاز الجنوبي اشتهرت "البرمة" المنحوتة من الحجر الصابوني، ويُطبخ فيها "السلتة" و"الفحسة" فتُقدّم على المائدة وهي تغلي وتفور.

تتميّز هذه الأواني بأنها تختزن الحرارة طويلاً وتوزّعها بالتساوي، ويستمر الطعام في الغليان فيها دقائق بعد رفعه عن النار. لكنها تحتاج عناية خاصة:

  1. انقع القِدر الفخاري الجديد في الماء 12 ساعة قبل أول استعمال.

  2. ادهن باطنه بالزيت وضعه في فرن بارد، ثم ارفع الحرارة تدريجياً إلى 180 درجة واتركه ساعة.

  3. ابدأ دائماً على نار هادئة، ولا تضعه على لهب قوي وهو بارد.

  4. لا تسكب فيه ماءً بارداً وهو ساخن، ولا تضعه ساخناً على رخام بارد.

  5. اغسله بالماء الساخن وفرشاة خشنة، وتجنّب الصابون لأنّ الفخار يتشرّبه.

القدور النحاسية وسرّ التبييض

النحاس موصل ممتاز للحرارة، وكانت قدوره الكبيرة تُستعمل في الولائم والأعراس لطبخ الأرز واللحم. غير أنّ النحاس المكشوف يتفاعل مع الأطعمة الحامضة ويُنتج مركّبات ضارة، لذلك كانت القدور تُبطّن بطبقة من القصدير تُعرف بـ"التبييض". وكانت الجدات يعرفن أنّ القِدر يحتاج تبييضاً جديداً حين يظهر لون النحاس الأحمر من تحت الطبقة الفضية.

وهنا تنبيه صحي مهم لمن يقتني قدوراً نحاسية قديمة: لا تطبخ في النحاس المكشوف، خاصة الأطعمة الحامضة كالطماطم والليمون والخل، وتأكد من أنّ التبطين سليم أو أعد تبييضه عند حرفي موثوق يستعمل القصدير النقي.

الصاج والطاوة الحديدية

الصاج قبّة حديدية مقلوبة تُخبز عليها الأرغفة الرقيقة، و"الطاوة" أو "المقلاة" الحديدية الثقيلة كانت تُستعمل لقلي البيض وتحميص البهارات والقهوة. وكانت الجدات لا يغسلن هذه الأواني بالصابون، بل يمسحنها بالزيت ويتركنها على النار قليلاً حتى تتكوّن عليها طبقة سوداء لامعة. هذه الطبقة، التي تُعرف اليوم بـ"التسقية"، هي ما يجعل الحديد غير لاصق طبيعياً.

التنور والكانون والدلّة: أدوات النار والضيافة

لا يمكن الحديث عن أدوات المطبخ القديم دون التنور، فهو قلب يوم الخبز وملتقى نساء الحي. كان يُبنى من طين مخلوط بالتبن أو شعر الماعز كي لا يتشقق، ويُجفّف في الظل أياماً ثم يُشعل فيه أول مرة بنار خفيفة "ليشتدّ عوده". وفي مصر عرفت الجدات "الكانون" و"الفرن البلدي" المبني من الطوب اللبن، وعلى "الطبلية" الخشبية المستديرة المنخفضة كانت الأسرة كلها تجتمع حول صينية واحدة.

أما الدلّة النحاسية بمنقارها الطويل، فهي رمز الكرم في الجزيرة العربية. كانت الجدة تعرف من صوت غليانها متى تضيف الهيل والزعفران، ومن لون رغوتها متى ترفعها عن الجمر. وكانت دلال البيت ثلاثاً في الغالب: دلّة كبيرة لغلي الماء والبنّ، ودلّة وسطى تُصفّى فيها القهوة ويُضاف الهيل، ودلّة صغيرة للتقديم. ولكل منها مكانها المعروف حول "الوجار"، وهو موقد الجمر في مجلس الرجال.

"الدلّة اللي ما تسوّد ما تنفع"، هكذا كانت جدتي ترد على من يستغرب لماذا لا تلمّع دلّتها القديمة، وتعني أنّ الدلّة التي عرفت النار طويلاً هي التي تُخرج القهوة الطيبة.

أدوات الماء والحفظ: الذكاء الذي لا يحتاج كهرباء

القربة والسعن والزير

القربة جلد ماعز أو ضأن مدبوغ يُحفظ فيه الماء، فيبقى بارداً نسبياً لأنّ الجلد يرشح قليلاً فيتبخر الماء من سطحه. والسعن قربة مخصّصة لخضّ اللبن، تُعلّق على ثلاث عصي وتُهزّ ذهاباً وإياباً حتى تنفصل الزبدة. أما الزير في مصر والشام فجرّة فخارية كبيرة للماء، و"القُلّة" الصغيرة التي تُوضع في النافذة.

وكانت الجدات يدبغن القربة الجديدة بقشر الرمان أو بلحاء الشجر، ويضعن فيها الماء أياماً ويبدّلنه حتى تذهب رائحة الجلد. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تفرق بين ماء طيب الطعم وماء ثقيل الرائحة.

العكّة والجرّة والخابية

"العكّة" وعاء جلدي صغير يُحفظ فيه السمن والعسل، و"الخابية" أو "الجرّة" الفخارية الكبيرة لحفظ الزيت والزيتون والطحين والحبوب. وكانت الجرار تُدفن نصفها في أرض المخزن لتبقى باردة، وتُغطّى أفواهها بقطع قماش مشدودة أو بصحون فخارية.

  • الجرار الفخارية الداكنة تحمي الزيت من الضوء الذي يسرّع تزنّخه.

  • أكياس القماش للحبوب تسمح بمرور الهواء وتمنع تكاثف الرطوبة.

  • ورق الغار أو الملح أو الرماد في قاع جرّة الطحين كان يطرد السوس.

  • العكّة الجلدية تُدهن من الداخل بالسمن الساخن قبل الاستعمال الأول لتُسدّ مسامها.

أدوات صغيرة بمعانٍ كبيرة

في مطبخ جدتي كانت هناك أدوات صغيرة لا يلتفت إليها أحد، لكن غيابها يعطّل البيت. "الكارة" أو "المخدّة" المحشوة التي يُفرد عليها رغيف التنور. و"الطَّبَق" أو "السفرة" المصنوعة من خوص النخيل أو القش، ويوضع عليها الخبز ويُفرش عليها الطعام. و"المحماس" أو "المقلاة الطويلة اليد" لتحميص القهوة على الجمر، ومعها "اليد" الحديدية لتقليب الحبوب. و"المبرد" أو "المصفاة" لتبريد البنّ بعد تحميصه.

وكان للخوص مكانة خاصة في الخليج والحجاز؛ فالجدات يجدلن منه "المهفّة" لتهوية النار، و"المكبّة" المخروطية لتغطية الطعام من الذباب، و"الجراب" لحفظ التمر. وهذه الأدوات كانت تُصنع في مجالس النساء أثناء الحكايات والسواليف، فكل مكبّة تحمل ذكرى جلسة.

أخطاء شائعة عند اقتناء الأدوات القديمة

كثيرون يشترون قطعة من أدوات المطبخ القديم بدافع الحنين، ثم تتلف في أشهر قليلة لأنهم يعاملونها كأوانٍ حديثة. وأبرز ما رأيته من أخطاء:

  • غسل المقلاة الحديدية في غسالة الصحون أو تركها مبللة، فتصدأ خلال ليلة.

  • تزيين المطبخ بقدور نحاسية مكشوفة ثم الطبخ فيها دون تبييض.

  • تخزين الهاون الخشبي في خزانة رطبة، فيتعفّن أو يتشقق.

  • تعريض الفخار لصدمة حرارية بوضعه على نار قوية مباشرة.

معاني الأدوات في الأمثال والعادات

دخلت أواني الجدات في لغة الناس وأمثالهم. فيقال عن الشخص كثير الكلام "مثل الطاحونة"، وعن البيت العامر "قِدره ما يبرد"، وعن الكريم "ناره ما تنطفي". وكانت بعض الأدوات تُهدى في المناسبات؛ فالدلّة والفناجيل من هدايا العرس في الخليج، والمهباش يُورث للابن الأكبر، والقِدر النحاسي الكبير يُعار بين بيوت الحي في الأفراح والأتراح، ويعود مملوءاً بالطعام لا فارغاً، لأنّ "القِدر ما يرجع فاضي".

ما الذي نربحه اليوم من أدوات المطبخ القديم؟

لست أدعو إلى إخراج الخلاط والفرن من المطبخ، بل إلى أن نعرف أين تتفوّق الأداة القديمة فنعود إليها بوعي:

  1. الهاون: للبهارات والثوم والهيل، لأنه يعصر الزيوت العطرية بدل أن يسخّنها.

  2. القِدر الفخاري أو الحديد الثقيل: للطبخ البطيء كالمرق والفول والمحاشي والقدرة.

  3. المقلاة الحديدية: لتحميص البهارات والقهوة والتشويح، وتدوم عمراً إن اعتُني بها.

  4. الملاعق الخشبية: لا تخدش الأواني، ولا تنقل الحرارة إلى اليد، ولا تتفاعل مع الأطعمة الحامضة.

  5. الجرار الفخارية المعتمة: لحفظ زيت الزيتون بعيداً عن الضوء.

أما ما يُفقد إن تركنا هذه الأدوات تماماً، فليس النكهة فقط، بل الإيقاع الهادئ للطبخ، والصبر الذي يجعل الطعام أطيب، والذاكرة التي تنتقل من يد إلى يد.

أسئلة شائعة عن أدوات مطبخ الجدات

هل الطبخ في الفخار صحي؟

نعم إذا كان الفخار غير مطلي أو مطلياً بطلاء غذائي خالٍ من الرصاص. تجنّب الأواني الفخارية ذات الألوان الزاهية مجهولة المصدر، واشترِ من حرفي أو متجر موثوق.

كيف أنظّف المهباش أو الهاون الخشبي؟

امسحه بقطعة قماش جافة، وإن احتاج تنظيفاً أعمق فاطحن فيه قليلاً من الأرز الجاف ثم انفضه. تجنّب نقعه في الماء لأنّ الخشب يتشقق.

أين أجد أدوات المطبخ القديمة اليوم؟

في أسواق التراث الشعبية، ومحلات التحف، وعند الحرفيين في القرى، وفي بيوت العائلة أحياناً. وكثير من الأسر ما زالت تحتفظ بأدوات الجدات في المخازن دون أن تنتبه لقيمتها.

هل يمكن استعمال القِدر الفخاري على موقد كهربائي؟

يمكن ذلك مع استعمال قرص معدني ناشر للحرارة بين القِدر والموقد، والبدء بحرارة منخفضة. أما مواقد الحث المغناطيسي فلا تعمل مع الفخار مباشرة.

رفّ الجدة الذي لا يُباع

ما زال مهباش جدتي عندي. لا أدقّ فيه القهوة كل يوم، لكنني حين أفعل، أسمع إيقاعها القديم يعود. هذه هي قيمة أدوات المطبخ القديم: أنها تحفظ الطعم والذاكرة معاً. قبل أن تُرمى قِدر أو مِغرفة أو رحى في مخزن بيت العائلة، اسأل عن حكايتها، وجرّب أن تستعملها ولو مرة. ثم أخبرني: أيّ أداة من مطبخ جدتك ما زالت تحتفظ بها، وما الحكاية التي تحملها؟

إرسال تعليق

0 تعليقات