كيف كانت الجدات تخبز 5 أنواع خبز في يوم واحد؟ قصص وحيل


في يوم الخبز كانت جدتي تستيقظ قبل أذان الفجر. أسمع وقع قدميها على البلاط البارد، ثم صوت الماء يُسكب في "المعجن" النحاسي، ثم رائحة الحطب حين يشتعل في التنور. وحتى العصر، يكون البيت قد امتلأ بخمسة أنواع من الخبز، لكل منها صاحب ومناسبة.

كيف فعلت ذلك بيدين وتنور واحد؟ في هذا المقال أروي لك يوم الخبز كما عشته، وأشرح أنواع الخبز القديم الخمسة التي كانت تخرج من عجنة واحدة تقريباً، مع مقادير وحيل مجرّبة.



العجنة الأم: كيف تتحول عجينة واحدة إلى خمسة أنواع

السرّ الأول في يوم الخبز هو التخطيط. لم تكن جدتي تعجن خمس عجنات منفصلة، بل عجينة أم كبيرة من الدقيق الأسمر والماء والملح والخميرة البلدية، ثم تقسّمها: جزء يُترك ليختمر طويلاً للتنور، وجزء يُرقّ فوراً تقريباً للصاج، وجزء يُضاف إليه السمن أو الحلبة أو التمر لأنواع أخرى. أما الأنواع التي تعتمد على دقيق مختلف كالذرة فكانت تُحضّر عجينتها في الليلة السابقة.

مقادير العجنة الأم لبيت كبير

  1. 5 كيلوغرامات دقيق قمح أسمر كامل أو نصفه أبيض ونصفه أسمر.

  2. نحو 3 لترات من الماء الفاتر، يُضاف تدريجياً بحسب امتصاص الدقيق.

  3. كوب ونصف من الخميرة البلدية (الخميرة الحامضة) المحفوظة من العجنة السابقة، أو ملعقتان كبيرتان من الخميرة الجافة كبديل حديث.

  4. ملعقتان كبيرتان من الملح، أي نحو 2 بالمئة من وزن الدقيق.

كانت جدتي تحتفظ بقطعة من كل عجنة في وعاء فخاري صغير مغطّى بالملح أو بالدقيق، وتسمّيها "الخميرة" أو "العويصة" أو "الحامضة". هذه القطعة هي روح الخبز؛ ففيها خمائر برّية وبكتيريا حمض اللاكتيك تُكسب الخبز طعمه الحامض الخفيف ورائحته العميقة، وتجعله يبقى طرياً أياماً أطول من خبز الخميرة الصناعية.

ترتيب يوم الخبز: من الفجر إلى العصر

  • قبل الفجر: العجن، وإشعال التنور ليصل إلى حرارته.

  • بعد الشروق: خبز الصاج الرقيق أولاً لأنه لا يحتاج اختماراً طويلاً، ويؤكل مع فطور الصباح.

  • الضحى: خبز التنور بعد أن تختمر العجينة وتصل جدران التنور إلى البياض.

  • قبل الظهر: قرص الجمر في رماد التنور المتبقّي.

  • بعد العصر: الأنواع الخاصة المحلّاة أو المتبّلة، على حرارة التنور الخافتة.

وهكذا كانت أنواع الخبز القديم الخمسة تتوزّع على ساعات النهار كما تتوزّع الصلوات. وهذا الترتيب لم يكن عشوائياً، بل كان استغلالاً ذكياً لمنحنى الحرارة: النار الأعلى للخبز الرقيق، ثم الحرارة المستقرة للتنور، ثم الجمر والرماد للأقراص السميكة، ثم الدفء الأخير للأنواع التي تحترق بسهولة لاحتوائها على السكر أو السمن.

النوع الأول: خبز الصاج الرقيق، الشراك والمرقوق

الصاج قبّة حديدية مقلوبة توضع على ثلاث حجارة فوقها نار الحطب. وخبزه رقيق كالورق، يُعرف في الشام وفلسطين والأردن بـ"الشراك" أو "خبز الصاج"، وفي نجد والحجاز يُرقّ خبز مشابه يُستعمل في المرقوق والمطازيز.

كانت جدتي تأخذ كرة عجين بحجم البرتقالة، تفرطحها بكفّيها، ثم تبدأ برميها من يد إلى يد وتدويرها على ساعدها حتى تتسع وتصير رقيقة شفافة، ثم تبسطها على "الكارة"، وهي وسادة مستديرة محشوة، وتقلبها دفعة واحدة على الصاج الساخن.

المؤشر الحسي للنضج: تنتفخ فقاعات صغيرة على السطح خلال ثوانٍ، وتظهر بقع بنية متفرقة، ثم تُقلب مرة واحدة لثوانٍ أخرى. العملية كلها لا تتجاوز دقيقة. وإن طال بقاؤها تيبّست وصارت قابلة للكسر.

البديل الحديث: مقلاة حديد كبيرة مقلوبة على النار، أو صاج كهربائي. ستحصل على خبز جيد، لكنك ستفقد رائحة دخان الحطب الخفيفة التي كانت تتسلل إلى الرغيف.

النوع الثاني: خبز التنور، ملك أنواع الخبز القديم

التنور حفرة فخارية أسطوانية تُشعل في قاعها النار، وتُلصق الأرغفة على جدرانها الداخلية. وخبزه يُسمّى في العراق والخليج "خبز التنور"، وفي بلاد الشام "خبز الطابون" حين يُخبز على الحصى، وفي اليمن "الملوّح" أو "خبز الموفا" بحسب المنطقة والفرن.

كانت جدتي تنتظر حتى تشتعل النار ثم تهدأ، ويصير لون جدار التنور الداخلي أبيض رمادياً. هذه هي العلامة الأهم: إن ألصقت العجين والجدار ما زال أسود من السخام، فسيسقط الرغيف في النار أو يلتصق ويحترق. أما حين يبيضّ الجدار، فقد احترق السخام ووصل الفخار إلى الحرارة المناسبة.

خطوات لصق الرغيف في التنور

  1. قطّع العجين المختمر كرات متساوية بحجم قبضة اليد.

  2. افرد الكرة على الكارة أو على راحة اليد بسماكة نصف سنتيمتر تقريباً.

  3. رشّ سطح الرغيف بقليل من الماء المملّح؛ فهذا يساعده على الالتصاق ويمنح القشرة لمعاناً.

  4. أدخل يدك بالكارة بسرعة وثبات، والصق الرغيف على الجدار بضغطة واحدة.

  5. بعد 2 إلى 4 دقائق، حين تنتفخ الحواف ويتحمّر السطح، انزعه بالمحراث المعدني أو بعصا معقوفة.

كانت جدتي تقول وهي تنتزع الرغيف الأول وتناوله لأصغر الأحفاد: "أول رغيف للصغير، عشان البركة تكبر معه".

أما سرّ طعم خبز التنور فهو الجمع بين حرارة الجدار الفخاري التي تطبخ الوجه الملاصق بسرعة، والحرارة المشعّة من النار التي تحمّص الوجه الآخر. هذه الحرارة المزدوجة العالية تُحدث تفاعل ميلارد بقوة، فتنتج القشرة المقرمشة المنقّطة والرائحة المميزة.

النوع الثالث: قرص الجمر، خبز الرماد الذي لا يُنسى

بعد أن تنتهي جدتي من خبز التنور، كان يبقى في قاعه جمر ورماد ساخن. وهنا يأتي دور قرص الجمر، ويُسمّى في نجد والقصيم "قرص الجمر" أو "المليل"، وعند البادية "الملّة" أو "العبيط"، وفي ليبيا وصحرائها يُعرف قريب منه باسم "خبزة الملّة". هو قرص سميك نسبياً، بسماكة إصبعين، يُدفن مباشرة في الرماد الحار ويُغطّى بالجمر.

كانت جدتي تمسح الرماد عن سطحه بعد نضجه بقطعة قماش أو بظهر يدها، ثم تفتّه في صحن وتسقيه بالسمن والسكر أو بالمرق، فيصير "المفروك" أو "الفتّة". وكثير من الناس يظن أنّ الرماد يلوّث الخبز، غير أنّ القشرة الخارجية تتصلّب بسرعة وتحمي الداخل، والرماد يُنفض بسهولة.

  • اجعل العجين أيبس قليلاً من عجين التنور حتى يحافظ على شكله.

  • اطرق القرص بإصبعك بعد النضج؛ فإن سمعت صوتاً أجوف فقد نضج من الداخل.

  • مدة النضج بين 15 و25 دقيقة بحسب سماكة القرص وحرارة الجمر، مع قلبه مرة واحدة.

  • البديل الحديث: فرن على 220 درجة مئوية فوق حجر خبز أو صينية حديد مسخّنة مسبقاً.

النوع الرابع: اللحوح اليمني، الخبز الذي يُصبّ ولا يُعجن

ليس كل الخبز القديم يُعجن. في اليمن وجنوب السعودية، كانت الجدات يصنعن اللحوح من دقيق الذرة الرفيعة أو الدخن، بعجينة سائلة تُترك لتتخمر ليلة كاملة حتى تحمض وتظهر عليها الفقاعات. ثم تُصبّ على "الملحة" أو "المِقلى" الفخاري أو الحجري الساخن، وتُنشر بحركة دائرية بظهر مغرفة، وتُغطّى قليلاً حتى تنضج من الوجه الواحد فقط.

يخرج اللحوح إسفنجياً مليئاً بالثقوب من الأعلى، أملس من الأسفل. وهذه الثقوب ليست عيباً بل هي المقصودة، لأنها تتشرّب "الشفوت"، وهو طبق شعبي يمني يُصنع من اللحوح المغموس باللبن الرائب المتبّل بالثوم والكزبرة والنعناع والفلفل الأخضر، ويُقدّم بارداً في رمضان.

مقادير لحوح منزلي

  1. كوبان من دقيق الذرة الرفيعة أو خليط منه ومن دقيق القمح.

  2. كوبان ونصف من الماء الفاتر.

  3. نصف ملعقة صغيرة من الخميرة الجافة، أو ملعقتان من خميرة لحوح سابقة.

  4. نصف ملعقة صغيرة من الملح، تُضاف بعد التخمير.

  5. يُترك الخليط 8 إلى 12 ساعة في مكان دافئ حتى تغطيه الفقاعات وتفوح منه رائحة حامضة خفيفة.

النوع الخامس: الخبز المحلّى والمتبّل لآخر النهار

حين تهدأ حرارة التنور أو الصاج في آخر النهار، كانت جدتي تستعمل ما تبقى من العجين لصنع أنواع خاصة. في نجد والقصيم كانت تصنع المرحوف أو "خبز الحبّ المحلّى"، فتعجن جزءاً من العجين مع التمر المهروس أو الدبس والحلبة والسمسم، وتخبزه أقراصاً صغيرة سميكة تُعطى للأطفال وتُحفظ للمسافرين. وفي الشام كانت الجدات يدهنّ الأرغفة بزيت الزيتون والزعتر والسمّاق لتصير "مناقيش"، وفي ليبيا يُصنع "خبز الحلبة" بإضافة الحلبة المطحونة وحبّة البركة.

لماذا في آخر النهار تحديداً؟ لأنّ السكر في التمر والدبس يحترق سريعاً في الحرارة العالية، فيسودّ الخبز من الخارج قبل أن ينضج داخله. الحرارة الخافتة تسمح له بالنضج ببطء وتمنحه لوناً كهرمانياً جميلاً.

وأذكر أنّ جدتي كانت تضيف إلى عجين المرحوف ملعقة من الحلبة المنقوعة ليلة كاملة، وتقول إنها "تليّن الصدر وتدفّي البطن"، ثم ترصّ الأقراص على صينية وتدخلها التنور بعد أن يسكن لهيبه تماماً. وكانت تعرف نضجها بالرائحة وحدها: حين تمتزج رائحة التمر المكرمل بالسمسم المحمّص، تمدّ يدها وتخرجها. هذه الأقراص كانت تُلفّ في قطعة قماش وتُوضع في خُرج المسافر، لأنّ السكر والسمن فيها يبطئان جفافها، فتبقى صالحة للأكل أياماً في الطريق.

مقادير المرحوف على طريقة جدات نجد

  1. كيلوغرام من العجين الأم المختمر.

  2. كوب من التمر المنزوع النوى المهروس، أو نصف كوب من الدبس.

  3. ملعقتان كبيرتان من الحلبة المنقوعة والمطحونة.

  4. ثلاث ملاعق كبيرة من السمن البلدي.

  5. ملعقة كبيرة من حبّة البركة، ومثلها من السمسم للوجه.

أخطاء شائعة حين نحاول إحياء يوم الخبز في بيوتنا

من يحاول إحياء أنواع الخبز القديم في مطبخ حديث يصطدم بعقبات صغيرة. جرّبت بنفسي أن أعيد يوم الخبز في بيت حديث، ووقعت في كل هذه الأخطاء تقريباً قبل أن أتعلّم:

  • العجين الرطب جداً: يلتصق بالكارة ولا يلتصق بالتنور. عجين التنور يحتاج قواماً متوسطاً يرتدّ حين تضغطه.

  • الاستعجال في التخمير: الخبز الذي يختمر ساعة واحدة بخميرة كثيرة يأتي بلا طعم. خميرة أقل ووقت أطول يعطيان نكهة أعمق.

  • التسخين الناقص: الفرن المنزلي يحتاج 45 دقيقة على الأقل على أعلى حرارة مع حجر أو صينية حديد بداخله ليقترب من حرارة التنور.

  • ترك الخبز مكشوفاً بعد خروجه: كانت جدتي تلفّ الأرغفة فوراً في "السفرة" أو قطعة قماش نظيفة، فيبقى البخار داخلها ويظل الخبز طرياً.

  • إهمال الملح: الملح لا يمنح الطعم فقط، بل يقوّي شبكة الغلوتين وينظّم التخمير.

وفي حفظ الخبز كانت للجدات حيلة جميلة: تجفيف الخبز الزائد في الشمس أو على التنور حتى يصير "كِسَراً" يابسة، تُحفظ في أكياس قماش شهوراً، ثم تُبلّ بالماء أو المرق وتُستعمل في الفتّة والثريد. لم يكن يُرمى من الخبز شيء، لأنه في نظرهنّ نعمة لا تُهان.

أسئلة شائعة عن الخبز البلدي وطرق خبزه

ما الفرق بين خبز التنور وخبز الطابون؟

التنور يُلصق فيه الرغيف على الجدار الداخلي، أما الطابون فيُخبز فيه الرغيف على أرضية من الحصى الصغيرة الساخنة، فيخرج بسطح منقّط بآثار الحصى. وكلاهما من أعرق أنواع الخبز القديم في بلاد الشام والعراق.

هل يمكن صنع الخميرة البلدية في البيت؟

نعم، بخلط دقيق أسمر وماء بنسبة متساوية وتغذيته يومياً بالكمية نفسها لمدة أسبوع تقريباً، حتى يتضاعف حجمه بعد كل تغذية وتفوح منه رائحة حامضة لطيفة.

كيف أعرف أنّ العجين اختمر بما يكفي؟

اضغط بإصبعك المبلول في العجين؛ فإن عادت الحفرة ببطء ولم تختفِ تماماً فهو جاهز. وإن عادت بسرعة فيحتاج وقتاً، وإن بقيت مكانها وانخسف العجين فقد زاد تخميره.

ما أسهل نوع أبدأ به؟

قرص الجمر في الفرن هو الأسهل للمبتدئ، يليه خبز الصاج في مقلاة حديد. أما التنور واللحوح فيحتاجان تجربة وصبراً.

حين يعود دخان التنور إلى الذاكرة

لم يكن يوم الخبز عند جدتي مجرد عمل منزلي، بل طقساً يجتمع فيه البيت: البنات يقطّعن العجين، والأولاد يجلبون الحطب، والجارات يتبادلن الأرغفة الساخنة من فوق الجدار. وكانت أنواع الخبز القديم الخمسة تحكي، كلٌّ بطريقته، قصة حرارة وزمن وصبر. لستَ مضطراً إلى بناء تنور في شقتك، لكن جرّب نوعاً واحداً هذا الأسبوع بخميرة بلدية وتخمير طويل، ثم أخبرني: أيّ هذه الأنواع كانت تخبزه جدتك، وبأي اسم كانت تسمّيه؟

إرسال تعليق

0 تعليقات